لوكارنو يسلّط الضوء على موجة إسبانية جديدة في السينما
موجة إسبانية جديدة في لوكارنو: مشاريع تبحث عن مكانها على الخريطة الدولية
يواصل مهرجان لوكارنو السينمائي تثبيت موقعه كواحد من أهم المنصات الأوروبية التي تراقب عن قرب تحولات السينما المستقلة وصعود الأصوات الجديدة. وفي دورته الثامنة والسبعين، التي أُقيمت في لوكارنو بسويسرا من 6 إلى 16 أغسطس 2025، عاد برنامج Spanish Preview ليقدّم دفعة منتقاة من المشاريع الإسبانية أمام المتخصصين في الصناعة، بعد إطلاقه بدعم من هيئات إسبانية معنية بالترويج السينمائي والإنتاج الدولي.
أهمية هذا البرنامج لا تتوقف عند كونه نافذة عرض، بل تمتد إلى كونه مساحة اختبار حقيقية لقدرة الأفلام قيد الإنجاز على جذب الموزعين ووكلاء المبيعات ومبرمجي المهرجانات. وبالنسبة للقارئ العربي في مصر، تبدو هذه المنصات ذات صلة مباشرة، لأن كثيراً من الأفلام الأوروبية التي تبدأ رحلتها هنا تصل لاحقاً إلى دوائر المهرجانات العربية، أو إلى عروض المنصات المتخصصة، أو تتحول إلى أسماء متداولة في موسم الجوائز.
«Blind Ants» يتصدر الاهتمام: دراما تاريخية بلهجة باسكية
أبرز العناوين التي لفتت الانتباه كان «Blind Ants»، وعنوانه الأصلي Inurri itsuak أو Las ciegas hormigas. الفيلم من إخراج الإسباني إيجور ليغاريتا، ويُقدَّم باعتباره عملاً تاريخياً ذا نبرة مشدودة تمزج بين الدراما والتشويق. وتوضح البيانات الرسمية الخاصة بالفيلم أنه يدور في عام 1935، حين تتسبب عاصفة في جنوح سفينة إنجليزية محمّلة بالفحم إلى ساحل بيسكايا في إقليم الباسك، لتدخل عائلة في صراع من أجل حماية الفحم الذي قد ينقذها من شتاء قاسٍ، أو يدفعها إلى مصير أكثر قتامة. كما تشير المواد التعريفية الرسمية إلى أن الفيلم إنتاج إسباني-بلجيكي، وأنه ناطق بالإسبانية والباسكية.
وتكشف قواعد بيانات الأفلام المتاحة للجمهور عن مشاركة أسماء معروفة في التمثيل مثل أوركو أولاثابال وإيتسيار إيتونيو وخوسيان بينغويتشيا وميرين غاستانياغا. كما تضع بعض المصادر موعد طرحه في 25 سبتمبر 2026، وهو ما يعكس أن الفيلم ما زال في مرحلة بناء حضوره الصناعي قبل الإطلاق التجاري الأوسع.
بالنسبة لمتابعي السينما في المنطقة العربية، يحمل هذا المشروع عناصر مألوفة وجذابة في الوقت نفسه: التاريخ الاجتماعي، والصراع مع الفقر والطاقة، والدراما العائلية التي تتقاطع مع تحولات سياسية واقتصادية أوسع. وهذا النوع من السينما الأوروبية غالباً ما يجد صداه لدى جمهور المهرجانات في القاهرة والإسكندرية، خصوصاً عندما يقترن ببيئة محلية شديدة الخصوصية لكنها قابلة للقراءة إنسانياً على نطاق أوسع.
دييغو يورينتي يواصل تفكيك العلاقات الحديثة
من بين المشاريع التي دارت حولها النقاشات أيضاً «How the Lights Get In» للمخرج الإسباني دييغو يورينتي. ورغم أن المعلومات التفصيلية المنشورة عن هذا المشروع لا تزال محدودة، فإن اسم يورينتي ليس جديداً على دوائر السينما الفنية؛ فهو مخرج «Notas sobre un verano» أو «Notes on a Summer»، الفيلم الرومانسي-الدرامي الذي عُرض عالمياً في 2023، وواصل حضوره لاحقاً ضمن التداولات النقدية وترشيحات الجوائز الإسبانية.
المعروف عن يورينتي أنه يميل إلى مراقبة هشاشة العلاقات العاطفية والضغوط الاقتصادية والارتباك الوجودي لدى جيل الشباب، وهي ثيمات تبدو حاضرة أيضاً في توصيف المشروع الجديد باعتباره معنيّاً بروابط عاطفية معاصرة وصياغات وجدانية تخص جيل الألفية. ومن هنا، يبدو اختيار العمل ضمن Spanish Preview منطقياً، لأنه يضع أمام السوق الدولية مشروعاً لمخرج يملك بصمة قائمة بالفعل، لكنه ما زال يتحرك في مساحة السينما الشخصية التي تبحث عن توسع أوروبي أوسع.
ناتشو رويث كابيلاس: مونتير «الآخرون» يتجه إلى الإخراج
واحد من أكثر العناصر إثارة في هذه المجموعة هو ظهور «War Material Captured From the Enemy» بوصفه أول فيلم روائي طويل أو مشروع طويل يخرجه ناتشو رويث كابيلاس، المعروف أساساً بصفته أحد أبرز المونتيرين في السينما الإسبانية. اسم رويث كابيلاس ارتبط على مدى سنوات بأعمال بارزة، وبينها «The Others» للمخرج أليخاندرو أمينابار، وهو ما يمنح انتقاله إلى كرسي الإخراج وزناً خاصاً لدى المتابعين والنقاد. كما تُظهر قواعد بيانات الصناعة أن المشروع يُنسب إليه كمخرج، مع مشاركة لولا بونو في الكتابة، وكان مدرجاً بوصفه مشروعاً في مرحلة ما قبل الإنتاج في تحديثات 2025.
هذا التحول من المونتاج إلى الإخراج ليس تفصيلاً عابراً، لأن كثيراً من المونتيرين الكبار يملكون فهماً عميقاً للإيقاع والبناء والزمن السينمائي، لكن قلة منهم تنتقل فعلياً إلى صناعة الفيلم من موقع المؤلف البصري الكامل. لذلك، فإن متابعة ما سيقدمه رويث كابيلاس في هذا المشروع ستكون مهمة، خصوصاً إذا كان العمل يحتفظ بحس أرشيفي أو تأملي ينسجم مع عنوانه الثقيل والمفتوح على قراءات تاريخية وسياسية.
«Bed of Grass»… صوت نسائي وتجريب بصري
كما ضمّت العروض مشروع «Bed of Grass» للمخرجة الإسبانية كارميلا رومان، وعنوانه الأصلي Lecho de pasto. وتظهر بيانات مهرجان مالقة ومنتدى ECAM أن الفيلم من إخراج رومان وإنتاج محمد رامي غارسيا الفيري عبر Mala Pécora Producciones Audiovisuales، وكان في مرحلة ما بعد الإنتاج، مع اختياره لفعاليات مهنية أخرى في 2025 مثل Semilleru Lab وECAM Forum.
وتصف المواد المتاحة المشروع باعتباره عملاً يميل إلى صيغة الفيديو-إسيه، مستنداً إلى قصة امرأتين تهربان بدافع الحب، فيما تعود الذاكرة لاحقاً لتفكك بقايا علاقة محوها الاكتئاب والصدمة. هذا النوع من المشاريع قد لا يكون الأكثر جماهيرية، لكنه ينسجم تماماً مع طبيعة لوكارنو، الذي يمنح مساحة معتبرة للأفلام التي تمتحن اللغة السينمائية وتتحرك بين السردي والتجريبي.
لماذا تهم هذه الاختيارات القارئ المصري؟
من زاوية صحافة الفن في مصر، لا تبدو هذه المشاريع مجرد أخبار أوروبية بعيدة. فالمهرجانات العربية، من القاهرة إلى الجونة ومهرجانات المتوسط، تتابع باستمرار ما يدور في لوكارنو وفينيسيا وسان سباستيان لاختيار أفلامها اللاحقة أو بناء شبكات تعاون إنتاجي وبرامجي. كما أن صعود السينما الباسكية والإسبانية المستقلة يفتح باباً للمقارنة مع أسئلة مطروحة عربياً: كيف تُروى الحكايات المحلية من دون أن تفقد قدرتها على العبور؟ وكيف يمكن للأفلام الصغيرة أو المتوسطة أن تتحول إلى مشاريع ذات حضور دولي؟
القاسم المشترك بين الأفلام التي برزت في Spanish Preview هذا العام هو أنها لا تراهن على الإبهار التجاري، بل على قوة الرؤية: فيلم تاريخي عن الفقر والطاقة والبقاء، ومشروع عن العلاقات الجديدة لجيل مرتبك عاطفياً، وتجربة أولى لمونتير كبير يتحول إلى الإخراج، وفيلم شخصي تجريبي تقوده مخرجة شابة. هذه التوليفة تقول الكثير عن حالة السينما الإسبانية اليوم: صناعة تبحث عن أسواق جديدة، لكنها لا تتخلى عن حساسيتها الفنية.
- الحدث: برنامج Spanish Preview ضمن فعاليات Locarno Pro.
- المكان: لوكارنو، سويسرا.
- التاريخ: الدورة 78 من 6 إلى 16 أغسطس 2025.
- أبرز المشاريع المتداولة: Blind Ants، How the Lights Get In، War Material Captured From the Enemy، Bed of Grass.
في المحصلة، ما جرى في لوكارنو يعكس اتجاهاً واضحاً: السينما الإسبانية المستقلة تواصل إعادة تعريف نفسها عبر الجغرافيا المحلية والموضوعات الإنسانية الثقيلة والتجريب الشكلي. وبين فيلم باسكي تاريخي واعد، ومخرج شاب يلاحق تعقيدات العاطفة الحديثة، ومونتير مخضرم يغامر بخطوته الإخراجية الأولى، يبدو أن السنوات المقبلة قد تحمل عدداً من العناوين التي ستصل أصداؤها سريعاً إلى جمهور الفن السابع في العالم العربي.