Filmatology

لوكا غوادانيينو يتوّج في فينيسيا ووثائقيه عن برتولوتشي يُعرض

تكريم جديد يضع لوكا غوادانيينو في صدارة موسم المهرجانات

يستقبل مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في دورته الثالثة والثمانين حدثًا لافتًا لعشاق سينما المؤلف، بعدما تقرر منح المخرج الإيطالي لوكا غوادانيينو جائزة Glory to the Filmmaker، وهي من الجوائز التي يخصصها المهرجان للأسماء التي تركت أثرًا واضحًا في السينما المعاصرة. وتكتسب الخطوة وزنًا إضافيًا هذا العام لأن غوادانيينو لن يحضر فقط بوصفه مكرَّمًا، بل أيضًا عبر عمل جديد هو الوثائقي Joie de vivre، الذي سيُعرض للمرة الأولى عالميًا ضمن قسم Venice Open – Out of Competition.

وبالنسبة للقارئ المصري المتابع لخريطة الجوائز والمهرجانات، فإن هذا النوع من التكريم لا يُقرأ باعتباره خبرًا بروتوكوليًا فحسب، بل مؤشرًا مهمًا على مكانة المخرج داخل المشهد العالمي، خصوصًا حين يتعلق الأمر باسم صنع خلال السنوات الماضية حضورًا ثابتًا بين المهرجانات الكبرى والأوسكار والنقاشات النقدية حول السينما الفنية ذات الحس الجماهيري. كما أن اختيار فينيسيا تحديدًا يحمل دلالة خاصة، لأن المهرجان يُعد تاريخيًا أحد أهم المنصات التي تعيد تعريف القيمة الفنية للأفلام قبل انطلاق موسم الجوائز الدولي.

وثائقي عن برناردو برتولوتشي بدلًا من عرض “Artificial”

اللافت في الخبر أن فيلم غوادانيينو الروائي الجديد Artificial لن يكون ضمن عروض فينيسيا 2026، بينما يذهب الحضور الرسمي للمخرج هذا العام إلى الوثائقي Joie de vivre. ووفق الصفحة الرسمية للفيلم على موقع La Biennale di Venezia، فإن العمل يأتي كرسالة حب إلى المخرج الإيطالي الراحل برناردو برتولوتشي، مع تناول سينماه وفنه وحياته وتأثيره الواسع على أجيال من المخرجين، إضافة إلى الاستعانة بشخصيات بارزة من عالم السينما للمساهمة في بناء هذا السرد. الصفحة نفسها تثبت أن مدة الفيلم تبلغ 435 دقيقة وأنه إنتاج إيطالي يُعرض خارج المسابقة.

أما Artificial، فوجوده كان محل ترقب في الصحافة السينمائية الدولية خلال الأسابيع الماضية، لكن التشكيلة الرسمية التي أعلنها المهرجان في أواخر يوليو 2026 لم تتضمنه، فيما اقتصر اسم غوادانيينو على Joie de vivre داخل برنامج العروض خارج المسابقة. كما أشارت تقارير صناعية منشورة في يونيو 2026 إلى أن Artificial كان لا يزال في مرحلة ما بعد الإنتاج بعد خروجه من مظلة Amazon MGM Studios. ولهذا، فإن غيابه عن فينيسيا يبدو منسجمًا مع مسار الفيلم الحالي أكثر من كونه مفاجأة فنية.

لماذا يبدو “Joie de vivre” مشروعًا مهمًا؟

من زاوية نقدية، يحمل Joie de vivre أكثر من سبب يدعو للاهتمام. أولًا، لأن برناردو برتولوتشي ليس مجرد اسم كبير في السينما الإيطالية، بل أحد أكثر المخرجين تأثيرًا في لغة الصورة الأوروبية خلال النصف الثاني من القرن العشرين. وثانيًا، لأن غوادانيينو نفسه ينتمي إلى سلالة سينمائية إيطالية حديثة تميل إلى الاشتباك مع الذاكرة الفنية، والهوية، والجسد، والرغبة، وكلها موضوعات تجعل اقترابه من عالم برتولوتشي منطقيًا من الناحية الجمالية. الصفحة الرسمية للفيلم تصفه بوضوح كتحقيق في سينما برتولوتشي وفنه وحياته، مع التركيز على أثره الممتد في أجيال مختلفة من السينمائيين.

هذا يعني أن الفيلم لا يبدو سيرة تقليدية بقدر ما يُرجح أن يكون قراءة سينمائية طويلة النفس، وهو ما تعكسه مدته الاستثنائية. بالنسبة لقسم “مراجعات الأفلام”، فالنقطة الأهم هنا أن الوثائقي يَعِد بنوع من المشاهدة الموجهة أساسًا للجمهور المهتم بالنقد والتاريخ السينمائي، لا لمتابعي الأخبار السريعة فقط. أي أننا أمام مشروع أقرب إلى فيلم مرجعي عن مخرج ترك بصمته على السينما العالمية، أكثر من كونه مادة أرشيفية باردة.

فينيسيا 2026: سياق أكبر يمنح الخبر ثقله

تُقام الدورة الثالثة والثمانون من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي في ليدو دي فينيسيا خلال الفترة من 2 إلى 12 سبتمبر 2026، تحت الإدارة الفنية لألبرتو باربيرا، فيما تترأس ماغي غيلنهال لجنة تحكيم المسابقة الرئيسية. ويمثل هذا السياق عنصرًا مهمًا لفهم قيمة تكريم غوادانيينو، لأن فينيسيا لا يوزع جوائزه الفخرية في فراغ؛ بل داخل دورة تُبنى عادة باعتبارها منصة فاصلة بين السينما الفنية والسوق العالمي وموسم الجوائز.

كما أن البرنامج الرسمي لهذا العام يضم أقسامًا متعددة، من بينها المسابقة الرئيسية، وOpen – Out of Competition، وOrizzonti، وVenice Spotlight، وVenice Classics، وVenice Immersive، وهو ما يعزز أهمية اختيار Joie de vivre ضمن العروض الخاصة خارج المسابقة، وهي مساحة يمنحها المهرجان عادة لأعمال ذات ثقل فني أو حدثي لا تحتاج إلى منافسة تقليدية كي تفرض حضورها.

علاقة غوادانيينو الطويلة بفينيسيا

تكريم لوكا غوادانيينو لا يأتي من فراغ أيضًا إذا نظرنا إلى علاقته بالمهرجان عبر السنوات. فقد سبق أن قدّم فينيسيا أعمالًا تحمل توقيعه، كما ارتبط اسمه بدورات سابقة للمهرجان سواء عبر المنافسة أو العروض الأولى. هذه الخلفية تجعل من منحه جائزة Glory to the Filmmaker اعترافًا متراكمًا بمسار فني، لا مجرد احتفاء بلحظة راهنة. وحتى عندما لا يحضر الفيلم الروائي الجديد هذا العام، يبقى اسم المخرج حاضرًا بوضوح عبر وثائقي طموح وتكريم يعزز موقعه داخل المشهد الأوروبي والدولي.

ومن المفيد هنا التذكير بأن غوادانيينو لا يملك حضورًا موثقًا رسميًا واضحًا على إنستغرام يمكن التحقق منه على نحو موثوق، لذلك يبقى التركيز على أعماله ومكانته النقدية أهم من أي حضور رقمي. في المقابل، يظل اسم برناردو برتولوتشي هو القلب الحقيقي للمشروع الجديد، بوصفه الشخصية التي يعيد الفيلم استكشاف إرثها أمام جمهور اليوم.

ماذا يعني هذا الخبر لمحبي السينما في مصر؟

بالنسبة للجمهور المصري المهتم بمتابعة المهرجانات الكبرى، فإن خبر تكريم غوادانيينو يلفت الانتباه لسببين أساسيين. الأول أن فينيسيا 2026 يواصل تأكيد موقعه بوصفه بوابة رئيسية لاكتشاف أفلام الخريف الكبيرة والأعمال التي ستصنع نقاشًا نقديًا طويلًا. والثاني أن الوثائقي عن برتولوتشي قد يتحول إلى مادة ثمينة لكل من يتابع تاريخ السينما الإيطالية وعلاقتها بمدارس الإخراج الحديثة، وهي مساحة لها جمهور واضح في مصر بين النقاد والدارسين ومحبي السينما الكلاسيكية والمعاصرة معًا.

ومن زاوية “مراجعات الأفلام”، فإن الرهان الحقيقي لن يكون فقط على قيمة التكريم، بل على الكيفية التي سيصوغ بها غوادانيينو هذا الفيلم الوثائقي الطويل: هل يقدّم قراءة حميمة لشخصية برتولوتشي؟ أم يختار بناءً تحليليًا يعتمد على شهادات صناع السينما وتأثير الرجل في الأجيال التالية؟ المؤكد حتى الآن، بحسب الوصف الرسمي، أننا أمام عمل يطمح لأن يكون أكثر من مجرد توثيق، وأقرب إلى تأمل شامل في فن مخرج غيّر شكل السينما الإيطالية والعالمية.

  • المكرَّم: لوكا غوادانيينو
  • الجائزة: Glory to the Filmmaker
  • الفيلم المعروض: Joie de vivre
  • موضوع الوثائقي: برناردو برتولوتشي
  • القسم: Venice Open – Out of Competition
  • موعد المهرجان: من 2 إلى 12 سبتمبر 2026
  • المكان: ليدو دي فينيسيا، إيطاليا

في المحصلة، ينجح الخبر في تقديم صورة واضحة عن لحظة مفصلية في مسار لوكا غوادانيينو: مخرج يُحتفى بإسهامه في السينما المعاصرة، وفي الوقت نفسه يعود إلى فينيسيا بفيلم شخصي على ما يبدو، مكرّس لأحد كبار أساتذة الصورة الإيطالية. وإذا كان Artificial قد غاب عن التشكيلة الرسمية، فإن Joie de vivre يبدو كافيًا وحده لإبقاء اسم غوادانيينو في قلب النقاش السينمائي هذا الموسم.