ماجي جيلنهال تفتح ملف السياسة وتمثيل المخرجات في فينيسيا
ماجي جيلنهال تشعل مبكرًا نقاش السياسة داخل مهرجان فينيسيا
دخلت الممثلة والمخرجة الأمريكية ماجي جيلنهال (@mgyllenhaal على إنستغرام) إلى واجهة المشهد في اليوم الأول تقريبًا من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، لكن هذه المرة ليس بفيلم جديد فقط، بل بموقف واضح من طبيعة السينما نفسها. فخلال المؤتمر الصحفي المرتبط بلجنة تحكيم الدورة الـ83، اعتبرت جيلنهال أن الأفلام سياسية على نحو جوهري ولا يمكن فصلها عن السياق العام، في تصريح يعكس أجواء دورة تنطلق وسط توترات دولية وحساسيات ثقافية واسعة.
أهمية هذا التصريح لا تتعلق بالجدل النظري فحسب، بل أيضًا بمكان صدوره وتوقيته. فمهرجان فينيسيا 2026 يُقام رسميًا بين 2 و12 سبتمبر 2026 على ليدو فينيسيا، وتترأس جيلنهال لجنة التحكيم الدولية للمسابقة الرسمية في دورة تحمل رقم 83، بحسب الموقع الرسمي لـلا بينالي دي فينيسيا. ويمنح هذا المنصب صوتها وزنًا إضافيًا في موسم جوائز الخريف، حيث تُعد فينيسيا واحدة من أهم محطات إطلاق الأفلام المرشحة بقوة للسباق العالمي.
لماذا بدا تصريح جيلنهال مهمًا داخل “شباك التذاكر”؟
من زاوية شباك التذاكر، لا تبدو مسألة “سياسية السينما” بعيدة عن السوق كما قد يظن البعض. الأفلام التي تنجح في فينيسيا، أو تخرج منه محاطة بالضجيج النقدي، تتحول غالبًا إلى عناوين أكثر جاذبية للموزعين ولمنصات العرض، وتكسب زخمًا جماهيريًا قبل وصولها إلى صالات السينما في أسواق متعددة، بينها السوق العربية والمصرية. لذلك فإن أي سجال يدور حول مضمون الأفلام واتجاهاتها ينعكس سريعًا على قيمتها التجارية، ومسارات توزيعها، ومستقبلها في موسم الجوائز.
السينما التي تتعامل مع الحرب، أو الهوية، أو العدالة، أو اختلالات السلطة، ليست فقط سينما مهرجانات؛ بل كثيرًا ما تتحول إلى منتج جماهيري قابل للتسويق إذا التقت الرسالة مع الصناعة. لهذا بدت مداخلة جيلنهال أقرب إلى توصيف لطبيعة المرحلة التي تمر بها السينما الدولية، لا إلى تصريح عابر للاستهلاك الإعلامي.
رئاسة لجنة التحكيم: محطة جديدة في مسار جيلنهال
اختيار ماجي جيلنهال لرئاسة لجنة التحكيم في فينيسيا لم يأتِ من فراغ. فبحسب البيان الرسمي للمهرجان، جيلنهال ليست فقط ممثلة معروفة، بل مخرجة وكاتبة ومنتجة عززت حضورها خلف الكاميرا بعد فيلم The Lost Daughter، الذي حصد في فينيسيا عام 2021 جائزة أفضل سيناريو. كما يشير المهرجان إلى أن فيلمها الطويل الأول نال لاحقًا ترشيحات أوسكار وجوائز كبرى أخرى، وهو ما جعل اسمها مناسبًا لقيادة لجنة تحكيم في دورة يتوقع لها تأثير واضح على خريطة الجوائز الدولية.
وتضم اللجنة هذا العام أسماء من مدارس سينمائية مختلفة، بينها المخرجة التونسية كوثر بن هنية (@kaoutherbenhania على إنستغرام)، والفرنسي كزافييه جيانولي، والمخرج والمنتج من هونغ كونغ جوني تو، والأفغانية شهر بانو سادات، إضافة إلى دانيال بلومبرغ وفرانشيسكو كاسيتي. هذا التنوع في الخلفيات يمنح اللجنة طابعًا متعدد الزوايا، لكنه في الوقت نفسه يضعها أمام أسئلة حادة تتعلق بالتمثيل والتوازن داخل المسابقة الرسمية نفسها.
أزمة غياب المخرجات عن المسابقة الرسمية
الشق الأكثر حساسية في النقاش لم يكن فقط حديث جيلنهال عن السياسة، بل الإشارة إلى المشكلة البنيوية وراء ضعف حضور النساء المخرجات في سباق الأسد الذهبي هذا العام. هذه الملاحظة تكتسب ثقلًا خاصًا لأن المتحدثة نفسها ترأس اللجنة، فيما تشارك ضمنها أيضًا كوثر بن هنية، إحدى أبرز الأصوات النسائية في السينما العربية والعالمية حاليًا.
تقارير دولية مواكبة لانطلاق الدورة الحالية لفتت إلى أن عدد الأفلام التي أخرجتها نساء داخل المسابقة الرئيسية جاء محدودًا بشكل واضح مقارنة بالطموحات التي صاحبت المهرجان في السنوات الأخيرة. وكالة Associated Press أشارت إلى أن الملف عاد بقوة إلى الواجهة هذا العام، مع تذكير بأن المهرجان سبق أن واجه انتقادات مماثلة في دورات سابقة. كما نقلت الوكالة عن مدير المهرجان ألبرتو باربيرا أن الاختيارات ارتبطت بما اعتبره قوة الأفلام المتقدمة للمسابقة الرئيسية، مع وجود حضور نسائي أكبر في أقسام أخرى خارج المنافسة الأساسية.
بالنسبة للقارئ المصري، يظل هذا الجدل مهمًا لأن مسألة فرص المخرجات لم تعد حكرًا على أوروبا أو هوليوود. في المنطقة العربية أيضًا، برزت أسماء نسائية حققت حضورًا قويًا في المهرجانات والأسواق، لكن تحويل هذا الحضور إلى تمثيل مستقر داخل المسابقات الكبرى لا يزال تحديًا قائمًا.
فينيسيا 2026 بين السياسة والجوائز وموسم العروض
الدورة الحالية لا تنفصل عن مزاج عالمي مشحون، وهو ما جعل سؤال “هل يجب أن تكون السينما سياسية؟” حاضرًا منذ الساعات الأولى. تغطيات دولية عدة ربطت بين نقاشات فينيسيا هذا العام وبين الحروب والأزمات العالمية الجارية، في وقت تبدو فيه اختيارات المهرجان نفسها متأثرة بقصص معاصرة ومتوترة. ووفق وكالة AP، فإن إدارة المهرجان رأت أن كثيرًا من الأعمال المختارة هذا العام تنشغل مباشرة بمشكلات العالم الراهن.
هذا المناخ يهم سوق التوزيع بقدر ما يهم النقاد. فالأفلام التي تخرج من فينيسيا ومعها سردية إعلامية قوية تمتلك فرصة أفضل في البيع الدولي، وفي جذب جمهور يتابع ما يثار حولها قبل مشاهدتها. ومن هنا، يتحول أي تصريح من رئيسة لجنة التحكيم إلى جزء من ماكينة الترويج غير المباشر للدورة بأكملها.
ما الذي يعنيه ذلك للجمهور في مصر؟
المتابع المصري لمهرجان فينيسيا لا ينظر إليه عادة بوصفه فعالية نخبوية فقط، بل باعتباره مؤشرًا مبكرًا على الأفلام التي قد تصل لاحقًا إلى دور العرض، أو المنصات، أو قوائم الجوائز العالمية التي تحظى باهتمام واسع في المنطقة. وعندما يتصدر اسم ماجي جيلنهال العناوين، فذلك لا يرتبط بمكانتها الفنية وحدها، بل أيضًا بما يمكن أن تؤثر به على صورة الدورة، وعلى النقاشات التي تسبق تقييم الأفلام نفسها.
كما أن وجود اسم عربي بحجم كوثر بن هنية داخل لجنة التحكيم يمنح المتابع العربي نقطة اقتراب مهمة من الحدث، خصوصًا أن مسارها السينمائي خلال السنوات الأخيرة رسخ حضورًا عربيًا لافتًا في المهرجانات الكبرى. الموقع الرسمي لفيينيسيا يصف أحدث أفلامها The Voice of Hind Rajab بأنه فاز في الدورة الماضية بـالأسد الفضي - الجائزة الكبرى للجنة التحكيم، كما يربط بين أعمالها وأسئلة السلطة والظلم وموقع الفرد داخل الأنظمة القمعية.
بين خطاب الفن وحسابات الصناعة
في النهاية، ما قالته ماجي جيلنهال في فينيسيا لا يبدو منفصلًا عن طبيعة اللحظة التي تعيشها السينما العالمية. فالمهرجانات الكبرى لم تعد ساحة لعرض الأفلام فقط، بل منصة لصناعة الانطباع العام الذي يسبق الإيرادات، ويؤثر في التوزيع، ويعيد ترتيب أسماء الأفلام الأكثر تداولًا في الصحافة والثقافة الشعبية.
ومن هذه الزاوية، فإن الجدل حول سياسية السينما، وحول غياب المخرجات عن المسابقة، ليس شأنًا تنظيريًا معزولًا عن “شباك التذاكر”، بل جزء من المعركة الأوسع على من يروي القصة، وكيف تُباع هذه القصة للجمهور، ومن يحصل في النهاية على المساحة الأكبر فوق السجادة الحمراء وداخل قاعات العرض. فينيسيا 2026 بدأ مبكرًا بنقاش ساخن، ويبدو أن ما سيأتي على الشاشة لن يكون أقل سخونة.