«ماي ساد دِد».. بابلو لاراين يقدم رعبًا لاتينيًا بطابع إنساني
بابلو لاراين يعود من بوابة الرعب الاجتماعي
يضيف المخرج التشيلي بابلو لاراين فصلاً جديدًا إلى مسيرته في السينما والدراما الناطقة بالإسبانية عبر «My Sad Dead»، وهو عمل يبتعد عن الرعب التجاري المباشر ليقترب أكثر من المزاج القوطي الحديث، حيث تتشابك الخسارة الشخصية مع عنف المدينة وذاكرتها الثقيلة. بالنسبة لجمهور مصر المهتم بمتابعة السينما اللاتينية، فإن هذا المشروع يبدو لافتًا لأنه يجمع بين اسم إخراجي كبير وعالم أدبي معروف بقدرته على تحويل الهواجس اليومية إلى مادة درامية مقلقة.
العمل ظهر في الاختيار الرسمي لمهرجان سان سيباستيان 2026، وهو ما منحه دفعة نقدية مهمة منذ البداية. ووفق الموقع الرسمي للمهرجان، عُرض تحت اسمه الإسباني «Mis muertos tristes» خلال الدورة التي أُقيمت بين 18 و26 سبتمبر 2026، فيما سُجل باسم بابلو لاراين مع مدة عرض تبلغ 187 دقيقة. هذا الحضور يضعه مباشرة في دائرة الأعمال اللاتينية الأبرز التي لفتت الأنظار في موسم المهرجانات الحالي.
قصة تدور بين الحداد والعنف والأشباح
تتمحور الحكاية حول إيما، وهي طبيبة متقاعدة تمتلك قدرة غير عادية على رؤية الموتى. وبينما تحاول التعامل مع وفاة والدتها ومع أسئلة عالقة في حياتها، تصل ابنة أختها جولي إلى المشهد، بالتوازي مع جريمة قتل ثلاثة مراهقين في حي ضاحوي مشحون بالعنف. هذا التزامن يطلق سلسلة أحداث غريبة تهز العلاقة بين عالم الأحياء وعالم الموتى، وتحوّل الحكاية من تجربة حداد شخصية إلى قراءة أوسع لمجتمع مأزوم.
ومن خلال هذه الفكرة، لا يبدو «ماي ساد دِد» مجرد قصة أشباح، بل عملاً يتعامل مع الأشباح باعتبارها آثارًا للذاكرة والخوف والطبقات الاجتماعية. هذه المقاربة تميّزه عن كثير من أعمال الرعب السائدة، وتجعله أقرب إلى دراما نفسية تتلبسها عناصر الفانتازيا السوداء، وهو اتجاه أصبح يحظى باهتمام متزايد لدى المشاهد العربي الباحث عن أعمال أعمق من القوالب الجاهزة.
من الأدب الأرجنتيني إلى الشاشة
بحسب صفحة نتفليكس الرسمية، فإن «My Sad Dead» مستند إلى أعمال الكاتبة الأرجنتينية ماريانا إنريكيز (@marianaenriquez1973 على إنستغرام)، وهي واحدة من أهم الأصوات اللاتينية المعاصرة في أدب الرعب والغرائبي. شهرة إنريكيز جاءت من نصوص تربط بين المدن المنهكة والعنف الاجتماعي والأطياف التي تعيش داخل الذاكرة الجماعية، ولهذا يبدو تعاون عالمها مع حساسية بابلو لاراين البصرية اختيارًا طبيعيًا أكثر من كونه مجرد اقتباس تقليدي.
هذه الخلفية الأدبية تمنح العمل عمقًا إضافيًا، لأن الرعب هنا لا يُبنى على المفاجأة وحدها، بل على شعور متراكم بأن الماضي لم يُدفن تمامًا. ولعل هذا ما يفسر الاهتمام النقدي المبكر بالعمل، خصوصًا لدى المتابعين الذين يعرفون كيف يوظف لاراين الثقل النفسي والسياسي في أعماله السابقة، حتى عندما ينتقل من السينما إلى صيغة المسلسل القصير.
أبطال من الوزن الثقيل في الدراما الأرجنتينية
تؤكد نتفليكس أن بطولة العمل تضم مرسيدس موران (@mercedesmoranok على إنستغرام) ودولوريس فونزي (@lolafonca على إنستغرام) وأليخاندرا فليخنر، إلى جانب كارولينا ألفاريز وكارلوس بورتالوبي ولوز خيمينيث وخيرمان دي سيلفا. هذا التشكيل يؤكد أن المشروع يعتمد على ممثلين ذوي حضور قوي في الدراما والسينما الأرجنتينية، وهو أمر ينسجم مع طبيعة النص الذي يحتاج إلى أداء داخلي متماسك أكثر من حاجته إلى الاستعراض.
وجود مرسيدس موران ودولوريس فونزي تحديدًا يمنح العمل ثقلًا واضحًا، لأنهما من الأسماء التي ارتبطت خلال السنوات الماضية بأدوار مركبة وقادرة على حمل التوتر النفسي. وهذا مهم في عمل يقوم أساسًا على هشاشة المشاعر، وعلى شخصيات تعيش بين الحزن والذنب والارتباك والخوف من المجهول.
من سان سيباستيان إلى نتفليكس
اللافت أن المشروع تحرك على خطين معًا: خط المهرجانات وخط العرض الجماهيري عبر المنصات. فبعد حضوره في سان سيباستيان 2026، أصبح متاحًا على نتفليكس بصفته مسلسلًا قصيرًا من أربع حلقات. وتُظهر الصفحة الرسمية للمنصة أن العمل صدر في 2026، مع حلقات تبلغ مدتها 56 و50 و47 و48 دقيقة، كما تصفه المنصة بأنه دراما أرجنتينية قائمة على أعمال أدبية.
هذا الشكل الإنتاجي يفسر اتساع العالم السردي في العمل. فبدلًا من ضغط الفكرة في فيلم واحد، يتيح المسلسل مساحة كافية لبناء الشخصيات والعلاقات وتفاصيل الحي الذي تقع فيه الأحداث. بالنسبة للمشاهد المصري، هذا النوع من الأعمال مناسب أيضًا لعادات المشاهدة الحالية على المنصات، خصوصًا حين يجمع بين الجودة الفنية والجرعة التشويقية.
لماذا يهم جمهور مصر؟
رغم أن الأحداث تدور في بيئة أرجنتينية واضحة، فإن موضوعات العمل قريبة من حساسية جمهور المنطقة: الفقد العائلي، العنف في الهوامش الحضرية، الخوف المتوارث، والمدينة بوصفها خزّانًا للألم. لهذا يمكن قراءة «ماي ساد دِد» ليس فقط كعمل رعب، بل كمثال على كيف تستخدم الدراما اللاتينية الأشباح لتفكيك الواقع الاجتماعي.
ومن زاوية تحريرية تخص قسم السينما العربية بوصفه نافذة على المجال الأوسع المحيط بمصر، فإن متابعة هذا العمل تبدو مهمة لأنه يعكس حيوية الإنتاج اللاتيني في الجنوب العالمي، وهي مساحة كثيرًا ما تتقاطع موضوعاتها مع اهتمامات المشاهد العربي، سواء في مسائل الذاكرة أو الطبقات أو علاقة الفرد بالمدينة.
ماذا نعرف حتى الآن؟
- الاسم الدولي: My Sad Dead
- الاسم الإسباني: Mis muertos tristes
- الإخراج: بابلو لاراين
- المصدر الأدبي: أعمال ماريانا إنريكيز
- البطولة: مرسيدس موران، دولوريس فونزي، أليخاندرا فليخنر
- الظهور المهرجاني: الاختيار الرسمي في مهرجان سان سيباستيان 2026
- العرض الرقمي: نتفليكس
- الهيئة: مسلسل قصير من 4 حلقات
في المحصلة، يقدم بابلو لاراين هنا عملاً يبدو معنيًا بالحزن بقدر عنايته بالرعب، وبالمجتمع بقدر انشغاله بالغرائبي. وإذا كانت بعض الأعمال تستخدم الأشباح للترفيه فقط، فإن «My Sad Dead» يوظفها لطرح سؤال أكثر إزعاجًا: ماذا يحدث حين ترفض المدن نسيان موتاها؟ بالنسبة لعشاق السينما والدراما اللاتينية في مصر، فهذا عنوان يستحق المتابعة عن قرب.