محمد كمال المصري.. لماذا لُقب شرفنطح بسلامة حجازي الصغير؟
محمد كمال المصري.. وجه لا يُنسى في تاريخ الكوميديا المصرية
تحل في 11 أغسطس ذكرى ميلاد الفنان المصري محمد كمال المصري، الذي عرفه الجمهور باسم شرفنطح، وهو أحد الأسماء الراسخة في ذاكرة السينما المصرية الكلاسيكية، رغم أن حضوره ارتبط في الغالب بالأدوار الثانية لا ببطولات الشباك. وتؤكد قواعد بيانات السينما المصرية وسيرته المتداولة في المراجع الفنية أنه وُلد عام 1886 ورحل في 25 أكتوبر 1966، بعدما ترك رصيدًا مهمًا في المسرح والسينما تجاوز 40 فيلمًا، فيما تحصي بعض المصادر الفنية مشاركاته التمثيلية في 47 فيلمًا على الأقل.
خصوصية شرفنطح لم تكن في مساحة الدور، بل في أثره. فملامحه شديدة التميز، وصوته، وحضوره الكوميدي، والطربوش الذي صار جزءًا من صورته الذهنية لدى الجمهور، كلها صنعت ممثلًا يكفي ظهوره لدقائق حتى يظل عالقًا في الذاكرة. ولهذا بقي اسمه حاضرًا كلما جرى الحديث عن نجوم الصف الثاني الذين صنعوا جزءًا أصيلًا من سحر السينما المصرية القديمة.
لماذا سُمي «سلامة حجازي الصغير»؟
اللقب الذي التصق بمحمد كمال المصري في بداياته كان «سلامة حجازي الصغير»، والسبب يعود إلى ولعه المبكر بتقليد الشيخ سلامة حجازي، أحد أهم رواد المسرح الغنائي في مصر. وتشير المصادر الصحفية والفنية التي وثّقت سيرته إلى أن موهبته في محاكاة سلامة حجازي على المسرح كانت لافتة إلى درجة أن هذا اللقب صار شائعًا بين من عرفوه في بداياته الفنية.
هذه المرحلة تفسر جانبًا مهمًا من تكوينه الفني؛ فالرجل لم يبدأ من السينما، بل من المسرح، حيث تعلّم الإلقاء والوقوف أمام الجمهور وصناعة الإيقاع الكوميدي. ومن هنا يمكن فهم كيف نجح لاحقًا في تحويل الدور الصغير إلى لحظة مؤثرة داخل الفيلم، وهي سمة اشتهر بها كثير من ممثلي جيله.
من مدرسة الحلمية إلى فرق المسرح الكبرى
ولد محمد كمال المصري في حارة متفرعة من شارع محمد علي في القاهرة، وهي منطقة ارتبطت تاريخيًا بالحياة الفنية والموسيقية في مصر. وتذكر السير المنشورة عنه أنه التحق في شبابه بمدرسة الحلمية الأميرية، وهناك بدأت موهبته في التمثيل تلفت الانتباه عبر النشاط المسرحي المدرسي.
بعدها انفتح أمامه طريق الخشبة بشكل أوسع، فانضم إلى فرقة سلامة حجازي، ثم عمل مع فرق مسرحية بارزة أخرى، من بينها فرق ارتبطت بأسماء كبيرة مثل سيد درويش ونجيب الريحاني. ويبدو تأثير هذه المدارس المسرحية واضحًا في أدائه، إذ جمع بين الحس الشعبي وخفة الحركة والقدرة على تجسيد الشخصيات الماكرة أو البسيطة أو المتذمرة بخفة ظل محببة.
من أين جاء اسم «شرفنطح»؟
اسم الشهرة نفسه لم يكن اسمًا عائليًا، بل لقبًا فنيًا اختاره محمد كمال المصري بعد أن قدّم شخصية تحمل الاسم ذاته في إحدى المسرحيات. ومع الوقت، تغلّب اللقب على الاسم الحقيقي، حتى صار الجمهور يعرفه به أكثر من أي اسم آخر. وهذا ليس غريبًا على زمن المسرح والسينما في مصر، حين كانت بعض الشخصيات الناجحة تتحول إلى هوية دائمة للفنان.
اللافت أن هذا الاسم، بطرافته ووقعه السريع على الأذن، خدم صورته الكوميدية كثيرًا، تمامًا كما فعلت ملامحه المميزة وحضوره الخاص. لذلك لم يعد «شرفنطح» مجرد لقب، بل علامة فنية مستقلة داخل أرشيف السينما المصرية.
رصيد سينمائي أكبر من حجم أدواره
دخوله إلى السينما بدأ في أواخر عشرينيات القرن الماضي، وتحديدًا عام 1928 وفقًا لعدد من المصادر الصحفية، قبل أن تتوسع مشاركاته لاحقًا على امتداد الأربعينيات والخمسينيات. وتؤكد قاعدة بيانات elCinema أن رصيده التمثيلي المسجل يبلغ 47 فيلمًا، من بينها أعمال بارزة مثل سلامة في خير (1937)، سي عمر (1941)، أبو حلموس (1947)، فاطمة، الآنسة ماما (1950)، سماعة التليفون (1951)، السر في بير (1952)، عفريتة إسماعيل يس (1954) وحسن ومرقص وكوهين (1954).
كما تشير بيانات elCinema إلى أن شرفنطح شارك في 3 أفلام وردت ضمن قائمة أفضل 100 فيلم في ذاكرة السينما المصرية بحسب استفتاء النقاد عام 1996، وهي سلامة في خير، سي عمر، والسوق السوداء. وهذه الإشارة مهمة لأنها تبرز أن حضوره لم يكن هامشيًا داخل أفلام عابرة، بل كان جزءًا من أعمال احتفظت بمكانتها النقدية والتاريخية.
أبرز محطات ظهوره على الشاشة
- سلامة في خير: ظهر مع نجيب الريحاني في واحد من أشهر أفلام الكوميديا المصرية.
- سي عمر وأبو حلموس: واصل تعاونه مع الريحاني في أفلام أصبحت من كلاسيكيات الشاشة.
- فاطمة: شارك في عمل يحمل مكانة خاصة في تاريخ السينما الغنائية.
- عفريتة إسماعيل يس: أثبت قدرته على مواكبة التحولات الكوميدية في الخمسينيات.
- الآنسة ماما وسماعة التليفون: قدّم فيهما نماذج إضافية من أدواره المساندة ذات الأثر الواضح.
بطولة من نوع آخر
ورغم أن بطولاته المطلقة كانت محدودة، فإن بعض المراجع الفنية تشير إلى أن فيلم مخزن العشاق عام 1933 يُعد أول بطولة سينمائية له. لكن القيمة الحقيقية في مسيرته لا تتوقف عند تصدر الأفيش، بقدر ما تتعلق بقدرته على خلق مساحة خاصة داخل العمل، حتى لو كان ترتيبه متأخرًا في التترات.
وهنا تكمن فرادة شرفنطح: ممثل من طراز يعرف كيف يختصر الشخصية في حركة أو نبرة أو نظرة. لذلك بقي اسمه متداولًا بين عشاق التراث السينمائي في مصر، خصوصًا لدى جمهور الأفلام الأبيض والأسود الذي يلتقط بسهولة بصمة الوجوه المساندة اللامعة.
نهاية حزينة لفنان أضحك أجيالًا
مثل كثير من أبناء جيله، لم تكن السنوات الأخيرة سهلة على محمد كمال المصري. فالمصادر الصحفية التي استعرضت سيرته تتحدث عن معاناة مع المرض، خصوصًا الربو، إلى جانب ضيق مادي وعزلة في أواخر العمر. وقد رحل في 25 أكتوبر 1966، بعدما عاش رحلة فنية طويلة بدأت من المسرح وانتهت بذكرى لا تزال حاضرة في وجدان محبي السينما المصرية.
وربما تفسر هذه النهاية المؤلمة سبب عودة اسمه في كل مناسبة تخص رواد الفن المنسيين نسبيًا. فشرفنطح لم يكن مجرد ممثل ثانٍ في أفلام قديمة، بل كان جزءًا من نسيج كامل صنع وجدان المشاهد المصري، وشارك في تشكيل ملامح الكوميديا على الشاشة في زمن كانت فيه الشخصية الجانبية قادرة على خطف الانتباه مثل البطل تمامًا.
لماذا يبقى شرفنطح حاضرًا حتى اليوم؟
الإجابة ببساطة أن محمد كمال المصري يمثل نموذجًا لفنان لم يعتمد على البطولة المطلقة كي يترك أثرًا. شخصيته الفنية كانت مكتملة: اسم لافت، ملامح لا تُنسى، مدرسة مسرحية قوية، وظهور في أعمال صنعت جزءًا مهمًا من تاريخ السينما المصرية. ولهذا، حين تعود ذكرى ميلاده، لا يُستعاد اسمه بوصفه حالة أرشيفية فقط، بل باعتباره واحدًا من أصحاب البصمة الصافية في الكوميديا المصرية.
في زمن تتجدد فيه الأسئلة حول قيمة ممثلي الصف الثاني، يبقى شرفنطح مثالًا واضحًا على أن تاريخ الفن لا يُكتب بعدد البطولات وحدها، بل بما يتركه الفنان في الذاكرة. ومحمد كمال المصري ترك الكثير.