Filmatology

مخرج «بامفير» يرهن شقته لتمويل فيلمه الجديد

مخرج أوكراني يواجه الحرب بالكاميرا والرهان الشخصي

في وقت لا تزال فيه الحرب الروسية على أوكرانيا تلقي بظلالها الثقيلة على الحياة اليومية والإنتاج الثقافي، اختار المخرج الأوكراني دميترو سوخوليتكي-سوبتشوك أن يدفع مشروعه السينمائي الجديد إلى الأمام بخطوة شديدة القسوة على المستوى الشخصي: رهن شقته في كييف من أجل تمويل فيلمه الروائي الطويل الجديد «Something Strange Happened to Me». هذه الخطوة أعادت اسمه إلى الواجهة داخل دوائر السينما الأوروبية، ليس فقط بسبب حجم المخاطرة، بل لأنها تكشف أيضاً كيف أصبح تمويل الأفلام في أوكرانيا مسألة بقاء، لا مجرد قرار إنتاجي.

الاسم ليس غريباً على متابعي السينما الفنية في المنطقة العربية، خصوصاً جمهور المهرجانات. فسوخوليتكي-سوبتشوك، الذي يُذكر كثيراً بصفته مخرج فيلم «Pamfir»، حقق اختراقه الدولي الأبرز عبر هذا العمل الذي ظهر في أسبوع المخرجين ضمن فعاليات مهرجان كان 2022، ولفت الانتباه إلى صوت سينمائي جديد قادم من أوكرانيا في لحظة سياسية وتاريخية شديدة التعقيد.

ما الذي نعرفه عن الفيلم الجديد؟

المؤكد رسمياً حتى الآن أن «Something Strange Happened to Me» هو المشروع الروائي الطويل الثاني للمخرج بعد «Pamfir»، وأنه مشروع إنتاج مشترك بين أوكرانيا والمملكة المتحدة. كما تم اختياره للمشاركة في Venice Gap-Financing Market 2026، وهي منصة مهنية تقام ضمن Venice Production Bridge على هامش الدورة الثالثة والثمانين من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، الممتدة من 2 إلى 12 سبتمبر 2026. أما سوق التمويل نفسه فيُعقد بين 4 و6 سبتمبر 2026.

وتكتسب هذه المشاركة أهمية خاصة لأن سوق التمويل في فينيسيا ليس مجرد عرض دعائي للمشروعات، بل مساحة لعقد اجتماعات مباشرة بين صناع الأفلام وجهات التمويل والموزعين ووكلاء المبيعات وشركات البث والصناديق الدولية. وبالنسبة إلى مشروع يخرج من بلد يعيش حرباً ممتدة، تصبح هذه النافذة واحدة من أهم الفرص لسد فجوة التمويل واستكمال رحلة الفيلم نحو التنفيذ.

من «بامفير» إلى الفيلم الثاني: مسار مخرج يتشكل تحت الضغط

نجاح «Pamfir» منح سوخوليتكي-سوبتشوك موقعاً متقدماً بين الأصوات السينمائية الأوكرانية المعاصرة. الفيلم، الذي يدور في غرب أوكرانيا قبيل الغزو الروسي، قُدم كدراما مشحونة بالبعد الأسري والاجتماعي، تدور حول رجل يعود إلى عائلته ويحاول بدء حياة مستقرة، قبل أن تدفعه الظروف إلى مواجهة ماضيه. وقد اكتسب العمل حضوراً لافتاً على خريطة المهرجانات الدولية بعد عرضه في كان، ثم واصل دورته في مهرجانات ومنصات دولية أخرى.

المثير هنا أن مسار «Pamfir» نفسه مرّ سابقاً عبر Venice Gap-Financing Market، إذ ظهر المشروع هناك في مرحلة التطوير قبل سنوات، ما يجعل عودة المخرج بالعمل الجديد إلى المنصة ذاتها امتداداً طبيعياً لمسار مهني أثبت فعاليته معه من قبل. هذه النقطة تعني أن سوخوليتكي-سوبتشوك لا يعود إلى فينيسيا فقط بصفته مخرجاً صاحب سمعة دولية، بل أيضاً كصانع أفلام يعرف كيف يستخدم منصات الصناعة الأوروبية لتحويل المشروع من فكرة إلى فيلم مكتمل.

رهن الشقة: دلالة أبعد من التمويل

في السياق المصري والعربي، قد تبدو قصة رهن شقة لتمويل فيلم مستقلة وصادمة، لكنها في الحقيقة تعكس جانباً مألوفاً في سينما المؤلف حول العالم: المخرج أحياناً يصبح أول ممول لمشروعه. الفارق هنا أن القرار اتُّخذ في ظل حرب مستمرة، وفي مدينة مثل كييف ظلّت لسنوات تحت تهديد القصف وعدم اليقين. لذلك فإن الخطوة لا تُقرأ فقط كإجراء مالي، بل كإعلان تمسك بالفن في وجه هشاشة الحياة اليومية.

ومن هذه الزاوية، تصبح تجربة سوخوليتكي-سوبتشوك قريبة من أسئلة تهم القارئ المصري: كيف ينجو الفيلم المستقل عندما تتراجع الموارد؟ وكيف يمكن لصانع السينما أن يحافظ على صوته الشخصي وسط ضغوط السوق والسياسة والخوف؟ ما يحدث في أوكرانيا اليوم يقدّم نموذجاً متطرفاً لهذه الأسئلة، لكنه يلتقي مع هواجس موجودة أيضاً في أسواق عربية وأفريقية تبحث عن تمويل عابر للحدود وعن شراكات دولية تحفظ استقلال الرؤية.

حضور أوكراني مستمر رغم الحرب

اختيار المشروع لسوق فينيسيا 2026 يؤكد أن السينما الأوكرانية ما زالت حاضرة في المشهد الدولي رغم الظروف القاسية. كما أن الإعلان الصادر عن الوكالة الحكومية الأوكرانية للسينما أشار بوضوح إلى أن المشروع يُقدَّم بصفته عملاً أوكرانياً-بريطانياً جديداً للمخرج صاحب «Pamfir»، وهو ما يعكس استمرار مؤسسات الدولة الثقافية في دعم حضور السينمائيين الأوكرانيين على المنصات العالمية.

هذا الحضور لا يقتصر على الأفلام المكتملة، بل يشمل أيضاً المشاريع في مراحل التطوير وما بعد الإنتاج، وهي نقطة مهمة لأن بقاء الصناعة لا يقاس فقط بعدد الأفلام التي تصل إلى الشاشات، بل أيضاً بقدرتها على إنتاج مشاريع جديدة في المستقبل. ومن هنا تأتي قيمة سوق مثل Venice Gap-Financing Market، الذي يعمل فعلياً كجسر بين الرغبة الفنية والقدرة العملية على الإنجاز.

هل نعرف تفاصيل القصة أو فريق العمل؟

حتى الآن، المعلومات الرسمية المتاحة عن «Something Strange Happened to Me» لا تزال محدودة في ما يخص القصة الكاملة أو الأبطال أو موعد بدء التصوير والإطلاق التجاري. المؤكد فقط أنه مشروع روائي طويل جديد للمخرج، وأنه يتقدم داخل مسار تمويل دولي مهم في 2026. ولهذا فمن الأفضل مهنياً عدم تكرار أي تفاصيل درامية غير موثقة، خصوصاً مع كثير من المشاريع التي تتغير عناصرها بين مرحلة السوق ومرحلة الإنتاج النهائي.

حساب إنستغرام المخرج

وبالنسبة إلى الحضور الشخصي للمخرج، يظهر اسم دميترو سوخوليتكي-سوبتشوك (@d_sobchuk على إنستغرام) في مصادر منشورة مرتبطة بأخباره السابقة، وهو ما ينسجم مع حضوره العام كمخرج يتابع تطورات أعماله ومشاركاته عبر المنصات الاجتماعية إلى جانب المسار المهني التقليدي.

لماذا تهم هذه القصة القارئ في مصر؟

لأنها تضع أمام جمهور المنطقة مثالاً حاداً على معنى الإصرار في صناعة السينما. فحين ينجح مخرج في تحويل نجاحه الأول إلى فرصة دولية ثانية، رغم الحرب ونقص التمويل والمخاطرة الشخصية، فإن الخبر يتجاوز حدود أوكرانيا. بالنسبة إلى جمهور مصر المتابع للمهرجانات والسينما المستقلة، تحمل هذه القصة قيمة مضاعفة: من جهة، هي متابعة لمسار مخرج برز اسمه عالمياً عبر «Pamfir»؛ ومن جهة أخرى، هي تذكير بأن الأفلام التي تصل إلى الشاشات تبدأ أحياناً من قرارات شخصية مؤلمة لا يراها الجمهور.

وفي النهاية، قد لا يكون أهم ما في الحكاية هو مجرد رهن شقة في كييف، بل المعنى الأوسع: أن السينما، حتى في أقسى الظروف، تبقى وسيلة مقاومة ثقافية وحفظ للذاكرة والهوية. وهذا بالضبط ما يمنح مشروع سوخوليتكي-سوبتشوك الجديد ثقله الإنساني قبل أن نعرف شكله النهائي على الشاشة.

  • المخرج: دميترو سوخوليتكي-سوبتشوك
  • أبرز أعماله: «Pamfir» (2022)
  • المشروع الجديد: «Something Strange Happened to Me»
  • طبيعة المشروع: فيلم روائي طويل مشترك بين أوكرانيا والمملكة المتحدة
  • المنصة الحالية: Venice Gap-Financing Market 2026
  • موعد السوق: 4-6 سبتمبر 2026
  • موعد مهرجان فينيسيا: 2-12 سبتمبر 2026