Filmatology

«مدينة الأحياء».. فيلم إيطالي يعيد قراءة جريمة هزّت روما

فيلم إيطالي ثقيل إنسانيًا يلفت الأنظار في فينيسيا

دخل الفيلم الإيطالي «La città dei vivi»، المعروف بالإنجليزية بعنوان «The City of the Living»، دائرة الاهتمام النقدي مع عرضه ضمن قسم Orizzonti في مهرجان فينيسيا السينمائي 2026. العمل من إخراج إدواردو جابرييلليني، ويستند بحرية إلى كتاب الكاتب الإيطالي نيكولا لاجيويا (@lagioia.nicola على إنستغرام) الحامل للاسم نفسه، وهو كتاب أعاد تفكيك واحدة من القضايا الجنائية التي صدمت الرأي العام في روما عام 2016.

وبالنسبة للقارئ المصري المهتم بمتابعة السينما الأوروبية القريبة من نبض المتوسط، فإن أهمية الفيلم لا تكمن فقط في كونه مستندًا إلى واقعة حقيقية، بل في الطريقة التي يختار بها إعادة النظر إلى الحكاية: ليس عبر مطاردة تفاصيل العنف أو استغلال فجاجة الجريمة، بل عبر الاقتراب من حياة الشاب الذي انتهت حياته بشكل مأساوي، وتحويله من اسم في صفحات الحوادث إلى شخصية كاملة الملامح.

ما قصة «مدينة الأحياء»؟

بحسب البيانات الرسمية لمهرجان فينيسيا، تدور أحداث الفيلم حول لوكا، شاب يبلغ 23 عامًا يعيش مع عائلته بالتبني، ويتنقل بين أطراف روما ووسطها، ويحاول مثل كثيرين في سنه أن يجد مكانه في العالم. لكن مسار حياته ينكسر فجأة بعد لقاء يبدو عابرًا، لينتهي كل شيء بفعل عنف عبثي بلا معنى واضح.

هذا البناء الدرامي يرتبط مباشرة بالقضية الحقيقية التي استند إليها الكتاب ثم الفيلم: مقتل لوكا فاراني في روما ليلة 4 إلى 5 مارس 2016. ووفق تقارير صحفية إيطالية موثوقة، كان فاراني في الثالثة والعشرين من عمره حين قُتل في جريمة أحدثت صدمة واسعة داخل إيطاليا، بعدما ارتبطت باسمَي مانويل فوفو وماركو براتو.

بدل تمجيد الرعب.. الفيلم ينحاز إلى الضحية

الزاوية التي اختارها المخرج إدواردو جابرييلليني تميّز الفيلم عن كثير من الأعمال التي تتعامل مع الجرائم الحقيقية. فبدل أن يجعل القتلة هم محور السرد، يركز الفيلم على الضحية نفسها: يومياتها، هشاشتها، أحلامها، وعلاقتها بمن حولها. هذه المقاربة أكدتها أيضًا تغطيات إيطالية بالتزامن مع العرض في فينيسيا، حيث أوضحت أن الفيلم يبتعد عن الاقتراب المباشر من مشاهد الرعب، ويفضل تقديم ما يشبه قصة نضج انقطعت قبل أوانها.

هذا التحول في المنظور مهم جدًا من الناحية الأخلاقية والفنية. ففي الأعمال المبنية على جرائم حقيقية، يصبح السؤال دائمًا: هل يحق للسينما أن تعيد إنتاج الألم؟ «مدينة الأحياء» يبدو واعيًا بهذه المعضلة، لذلك لا يسعى إلى تقديم تفسير جاهز للشر، ولا إلى منح المشاهد متعة التلصص على العنف، بل إلى قراءة ما تتركه المأساة في المدينة وفي الوجوه المحيطة بها.

عرض عالمي أول في فينيسيا ثم انطلاق تجاري في أكتوبر

المعلومات الرسمية المتاحة حتى 4 سبتمبر 2026 تشير إلى أن الفيلم عُرض في مهرجان فينيسيا ضمن مسابقة Orizzonti، وهي واحدة من المنصات الأساسية لاكتشاف السينما الأكثر تجريبًا وحساسية داخل المهرجان. كما أعلنت وكالة الأنباء الإيطالية أن الفيلم سيصل إلى دور العرض الإيطالية بدءًا من 1 أكتوبر 2026 عبر Eagle Pictures.

ومن حيث الإنتاج، يقف وراء الفيلم تحالف يضم Eagle Pictures وCinemaundici وLungta Film، فيما تشير تقارير متخصصة في السينما الأوروبية إلى مشاركة HBO Max في المشروع خلال مرحلة الإنتاج. كذلك تتراوح مدة الفيلم بين 103 و104 دقائق بحسب البطاقات التعريفية المنشورة في المصادر الرسمية والمتخصصة.

أبطال الفيلم وفريقه الفني

يضم العمل مجموعة من الأسماء البارزة في السينما الإيطالية المعاصرة، على رأسهم:

  • Emanuele Maria Di Stefano في دور محوري مرتبط بشخصية لوكا
  • Valerio Mastandrea
  • Gaia Merlonghi
  • Simona Senzacqua
  • Roberta Mattei

أما على مستوى العناصر الفنية، فتتضمن البطاقة الرسمية أسماء مثل Amine Messadi في التصوير، وJacopo Ramella Pajrin في المونتاج، وMarcella Mosca في تصميم المناظر، وMarta Passarini في الأزياء. وهي أسماء توحي بأن الفيلم لا يراهن على القصة فقط، بل على صياغة بصرية تميل إلى الاقتصاد والتكثيف بدل المبالغة.

من كتاب حائز على مكانة أدبية إلى فيلم اجتماعي

الفيلم مقتبس بحرية من كتاب «La città dei vivi» لنيكولا لاجيويا، وهو من الأعمال التي نالت اهتمامًا واسعًا في إيطاليا. لاجيويا معروف أساسًا بكونه أحد أبرز الأصوات الأدبية الإيطالية المعاصرة، كما أن روايته «La Ferocia» سبق أن فازت بـجائزة ستريجا، وهي من أرفع الجوائز الأدبية في إيطاليا. هذه الخلفية تفسر لماذا يتعامل الفيلم مع مادته الأصلية بوصفها أكثر من مجرد قضية جنائية، بل كنافذة على أسئلة تخص المدينة، والعزلة، والفراغ الإنساني.

وفي هذا السياق، تبدو روما داخل الفيلم أكثر من مجرد مكان للأحداث. المدينة نفسها تتحول إلى عنصر درامي: مركزٌ مزدحم، أطرافٌ قلقة، وشباب يتحركون بين الوعد والضياع. وهذه الثيمة ليست بعيدة عن المتلقي في مصر أو المنطقة العربية عمومًا، حيث تملك المدن الكبرى بدورها تناقضات مشابهة بين الحيوية والهشاشة، وبين القرب الاجتماعي والوحدة الخفية.

لماذا يحظى الفيلم باهتمام نقدي؟

الاهتمام الذي يحيط بـ«مدينة الأحياء» يعود إلى أكثر من سبب. أولًا، لأنه يتعامل مع واقعة ما زالت حاضرة في الذاكرة الإيطالية. ثانيًا، لأنه يذهب إلى منطقة شديدة الحساسية: كيف يمكن تحويل مأساة حقيقية إلى سينما دون الوقوع في الاستغلال؟ وثالثًا، لأن المخرج يختار لغة تميل إلى الرقة والابتعاد عن المباشرة، بحسب ما ورد في تقديم الفيلم الرسمي في فينيسيا.

هذا النوع من السينما يجد عادة صداه لدى جمهور المهرجانات، لكنه قد يجذب أيضًا جمهورًا أوسع إذا نجح في تحقيق التوازن بين الحس الإنساني والوضوح الدرامي. ومن هنا يمكن فهم التوقعات المحيطة بالعمل بعد عرضه العالمي الأول، خصوصًا أنه ينتمي إلى موجة أوروبية جديدة تحاول إعادة تعريف أفلام الجريمة الحقيقية بعيدًا عن الإثارة السطحية.

قراءة أخيرة للقارئ المصري

بالنسبة لمتابعي السينما في مصر، يقدم «مدينة الأحياء» مثالًا مهمًا على كيف يمكن للسينما الإيطالية أن تستعيد واقعة دامية دون أن تختزلها في مشاهد صادمة فقط. الفيلم، كما يبدو من المعلومات المؤكدة المتاحة حاليًا، ليس بحثًا عن تفسير سهل للشر، بل محاولة لفهم الإنسان الذي جرى ابتلاعه داخل مدينة كبيرة وضاغطة.

ومع تزايد حضور الأفلام المبنية على قصص حقيقية في المواسم السينمائية العالمية، يظل هذا العمل لافتًا لأنه يعيد الاعتبار إلى سيرة الضحية لا إلى فضول الجريمة. وإذا واصل الفيلم رحلته بنجاح بعد فينيسيا، فقد يصبح من أبرز العناوين الإيطالية التي تستحق المتابعة عربيًا خلال موسم خريف 2026.