Filmatology

مراجعة فيلم «برشامة»: كوميديا الثانوية العامة بمرارة الواقع

فيلم يضع الثانوية العامة في قلب الكوميديا السوداء

ينتمي فيلم «برشامة» إلى تلك الأعمال التي تراهن على فكرة مصرية خالصة يعرفها الجمهور جيدًا: امتحانات الثانوية العامة بما تحمله من توتر وضغط اجتماعي وهوس بالنجاح. الفيلم عُرض في موسم عيد الفطر 2026، وبدأ طرحه في دور العرض المصرية يوم 19 مارس 2026، بمدة عرض تبلغ 110 دقائق، مع تصنيف عمري +12. العمل من إخراج خالد دياب، وكتابة أحمد الزغبي وشيرين دياب، مع مشاركة خالد دياب في الكتابة بحسب البيانات المنشورة عن الفيلم. ويقود البطولة هشام ماجد إلى جانب ريهام عبد الغفور ومصطفى غريب وحاتم صلاح وباسم سمرة وعارفة عبد الرسول وفاتن سعيد وكمال أبو رية وفدوى عابد وميشيل ميلاد.

الحكاية: لجنة امتحان تتحول إلى ساحة عبث

تدور الأحداث في يوم امتحان اللغة العربية داخل لجنة ثانوية عامة بنظام المنازل. من البداية يختار الفيلم وحدة المكان والزمان تقريبًا، فيحاصر شخصياته داخل مساحة ضيقة، ثم يترك التوتر يتصاعد تدريجيًا. المفارقة الأساسية أن الموقف ينفجر بعد وفاة المشرف أثناء الامتحان، لتبدأ محاولات إخفاء ما حدث طمعًا في استمرار فرص الغش، لكن اللعبة تصبح أكثر سخرية حين يتضح أن كثيرين لا يملكون أصلًا الإجابات التي يسعون إليها.

هذا البناء يمنح «برشامة» ميزة واضحة: لا يعتمد على التنقل بين مواقع كثيرة أو خطوط درامية متشعبة، بل يضغط المشهد كله داخل لجنة امتحان واحدة، ويحوّلها إلى نموذج مصغر من المجتمع. هناك الطالب الحريص على النظام، وابن العمدة الذي يريد النجاح بأي وسيلة، وشخصيات أخرى جاءت من خلفيات اجتماعية متفاوتة، وكلها تبحث عن مخرج من مأزق يبدو في ظاهره تعليميًا، لكنه في العمق يكشف علاقة المصريين بفكرة الشهادة والفرصة والنجاة.

أين ينجح الفيلم فعلًا؟

أكبر نقاط قوة الفيلم أنه لا يتعامل مع الثانوية العامة باعتبارها مجرد مناسبة للضحك، بل يوظفها كرمز لضغط اجتماعي ضخم يعرفه كل بيت مصري تقريبًا. هنا تصبح اللجنة أكثر من مكان للامتحان؛ تصبح مساحة مكثفة للخوف من السقوط الطبقي، ومن ضياع المستقبل، ومن سلطة المجتمع على الأفراد. هذه الخلفية تضيف للفيلم وزنًا دراميًا حتى في لحظاته الأخف.

على مستوى الإيقاع، يحقق الفيلم قدرًا معتبرًا من الحيوية بفضل المواقف المتلاحقة والاعتماد على البطولة الجماعية. هشام ماجد يتحرك في منطقة يعرفها جيدًا، وهي الكوميديا القائمة على الجدية الزائدة وسط فوضى عامة، بينما يمنح مصطفى غريب وحاتم صلاح الفيلم دفعات واضحة من خفة الظل. وجود باسم سمرة وريهام عبد الغفور يضيف أيضًا توازنًا بين الطابع الشعبي والسخرية الاجتماعية، فلا يبدو العمل مجرد سلسلة إفيهات منفصلة.

ومن حيث الفكرة البصرية، ساعد البوستر الرسمي الذي ظهر فيه هشام ماجد بقناع أبيض داخل أجواء الامتحان في تكريس نبرة الفيلم الساخرة، وهي صورة دعائية لفتت الانتباه مبكرًا قبل عرض العمل في موسم العيد.

لكن ماذا عن المآخذ؟

رغم ذكاء الفكرة، لا ينجو «برشامة» من بعض الملاحظات. فالفيلم في لحظات معينة يبالغ في تمديد بعض المواقف الكوميدية، ما يترك إحساسًا بأن الفكرة المركزية كانت تحتمل تكثيفًا أكبر. كما أن تعدد الشخصيات، على الرغم من كونه عنصر ثراء، يجعل بعض الخطوط أقل نضجًا من غيرها، فتبدو بعض النماذج أقرب إلى الوظيفة الدرامية السريعة منها إلى الشخصيات المكتملة.

كذلك، فإن الرهان على السخرية من منظومة الغش والوساطة والبحث عن الشهادة بأي ثمن يضع الفيلم في منطقة حساسة. بعض المشاهدين رأوا في ذلك جرأة محببة، بينما أثارت مشاهد أخرى جدلًا بسبب اقترابها من مناطق اجتماعية ودينية شائكة. غير أن هذا الجدل نفسه ليس غريبًا على عمل اختار أن يضع واحدة من أكثر الظواهر المصرية توترًا على طاولة الكوميديا.

بين النجاح الجماهيري والقيمة النقدية

بعيدًا عن الجدل، يصعب تجاهل النجاح التجاري للفيلم. فقد واصل «برشامة» تصدر شباك التذاكر المصري خلال أسابيع من عرضه؛ إذ سجل بعد 3 أسابيع إيرادات تجاوزت 143.8 مليون جنيه، ثم ارتفع إجمالي إيراداته بعد 54 ليلة عرض إلى نحو 204.8 مليون جنيه مع أكثر من 1.46 مليون تذكرة، فيما تشير بيانات أخرى منشورة عن الفيلم إلى أن إجمالي شباك التذاكر وصل إلى أكثر من 210.8 مليون جنيه. هذه الأرقام تفسر لماذا حضر الفيلم بقوة في نقاشات الجمهور خلال موسم العيد وما بعده.

لكن النجاح التجاري هنا لا يعني بالضرورة أن الفيلم بلا ثغرات، بل يكشف بالأحرى عن قدرته على التقاط موضوع قريب من الحياة اليومية في مصر. الجمهور لم يذهب فقط لمشاهدة كوميديا قاعة امتحان، بل شاهد انعكاسًا ساخرًا لعلاقة معقدة بين التعليم والفرص والطبقات والضغوط الأسرية.

قراءة نقدية: لماذا يعلق الفيلم في الذاكرة؟

ما يجعل «برشامة» جديرًا بالمشاهدة في قسم مراجعات الأفلام ليس فقط فكرته الطريفة، بل محاولته بناء كوميديا من أزمة جماعية يعرفها المصريون بالتفصيل. الفيلم لا يقدم معالجة نفسية عميقة ولا خطابًا إصلاحيًا مباشرًا، لكنه ينجح في كشف العبث الكامن وراء تقديس الامتحان بوصفه المصير الوحيد. وفي هذا تكمن مفارقته الأذكى: أن يضحكك من شيء تعرف في داخلك أنه ليس مضحكًا بالقدر نفسه.

كما أن اختيار لجنة منازل بدلًا من لجنة مدرسية تقليدية كان اختيارًا موفقًا؛ لأنه يسمح بتنوع أكبر في الأعمار والخلفيات والدوافع، ويمنح الفيلم فرصة لتقديم نماذج بشرية متعددة من دون أن يبدو ذلك مفتعلًا. هذا التنوع هو الذي يحفظ له حيويته حتى عندما يتراجع الإيقاع في بعض المقاطع.

الخلاصة

«برشامة» ليس أفضل فيلم كوميدي مصري في السنوات الأخيرة بلا منازع، لكنه بالتأكيد من أكثرها ذكاء في اختيار الفكرة واللحظة الاجتماعية. هو فيلم يعتمد على مفارقة بسيطة، ثم يحمّلها بما يكفي من الفوضى والنقد الاجتماعي والوجوه المحبوبة ليصنع تجربة جماهيرية واضحة. قد يختلف المشاهدون حول بعض مشاهده أو حول جرعة المبالغة فيه، لكن من الصعب إنكار أنه أمسك بعصب مصري حساس: الخوف من الامتحان باعتباره امتحانًا للحياة كلها.

  • التقييم النقدي: فيلم جماهيري ناجح بفكرة محلية ذكية وتنفيذ جيد، مع بعض الترهل في الإيقاع.
  • أنسب لمن؟ لمحبي الكوميديا المصرية ذات الخلفية الاجتماعية الواضحة.
  • أبرز عناصر الجذب: هشام ماجد، وحدة المكان، فكرة الثانوية العامة، والبطولة الجماعية.

في النهاية، إذا كان موسم العيد قد امتلأ بأفلام تبحث عن الضحك السريع، فإن «برشامة» اختار أن يصنع ضحكه من وجع مألوف جدًا في البيوت المصرية، ولهذا تحديدًا بقي حاضرًا في النقاش بعد انتهاء زحام الموسم.