مراجعة فيلم «A Common Story»: زواج يتآكل في صمت
مراجعة فيلم «A Common Story»: حين يصبح الصمت بطل الحكاية
يصل الفيلم الإيطالي «A Common Story»، وعنوانه الأصلي «Una storia»، كعمل يراهن على التفاصيل الصغيرة بدل الانفجارات الدرامية المعتادة. في أول تجربة إخراجية طويلة للممثلة والمخرجة الإيطالية آنا فولييتا، يبتعد الفيلم عن صخب الخلافات الزوجية المباشرة، ويختار مراقبة التآكل البطيء الذي يصيب علاقة تبدو مستقرة من الخارج، بينما تنخرها مسافات غير مرئية من الداخل. العمل عُرض ضمن قسم Orizzonti في مهرجان فينيسيا السينمائي 2026، وتبلغ مدته 107 دقائق، وهو إنتاج إيطالي باللغة الإيطالية.
هذه المقاربة تمنح الفيلم ثِقله الحقيقي: ليس بوصفه حكاية عن انفصال أو أزمة أسرية فحسب، بل كتشريح هادئ لفكرة الاعتياد، وكيف يمكن لحياة يومية منظمة ومطمئنة أن تتحول تدريجياً إلى مساحة جفاف عاطفي. لذلك فالفيلم أقرب إلى دراما نفسية عن الزواج في منتصف العمر، منه إلى عمل يبحث عن مفاجآت حبكية أو صدمات مصطنعة.
القصة: بيت يفرغ… وعلاقة تنكشف
تدور الأحداث حول الزوجين إيريكا وماورو اللذين يعيشان في بلدة إيطالية بعيدة عن الصخب، داخل نمط حياة روتيني تشكله العادات والإيقاع اليومي المتكرر. نقطة التحول الأساسية تبدأ عندما تغادر ابنتهما إيرين المنزل من أجل الدراسة بعيداً، فينشأ فراغ مفاجئ داخل البيت، لكنه يكشف في الوقت نفسه فراغاً أعمق داخل العلاقة نفسها. إيريكا، التي بنت هويتها طويلاً على رعاية الآخرين، تجد نفسها أمام حياة فقدت اتجاهها. أما ماورو، الذي نشأ تحت أثر أب متسلط عاطفياً، فيحاول ملء هذا الفراغ بطريقته، قبل أن يصطدم بهشاشة لم يعترف بها من قبل.
الفيلم لا يتعامل مع هذه الفرضية باعتبارها أزمة مفاجئة، بل كحالة تتكشف بالتدريج. جروح قديمة، رغبات مؤجلة، ومشاعر لم تُسمَّ منذ سنوات، كلها تعود إلى السطح. ومن هنا تنجح فولييتا في طرح سؤال جوهري: هل يعرف الشريكان فعلاً من يكونان خارج أدوارهما التقليدية كأب وأم؟ وهل يمكن للحب أن يستمر إذا تعطلت اللغة التي كانت تحفظه؟ هذا السؤال بالذات هو الذي يمنح الفيلم صداه الإنساني الواسع لدى جمهور يفضل دراما العلاقات القائمة على الصدق لا المبالغة.
آنا فولييتا: ممثلة تقود فيلمها بأذن حساسة
اللافت أن آنا فولييتا، في أول أفلامها الروائية الطويلة كمخرجة، لا تتعامل مع الصورة باعتبارها أداة لشرح كل شيء. في بيانها الإخراجي الرسمي، أوضحت أنها أرادت صنع فيلم عن العلاقات تكون فيه «الروح» هي البطل الحقيقي، مع اعتماد الانتظار والحركات المحدودة والطقوس اليومية، وأن الكاميرا صارت أداة للإنصات أكثر من كونها وسيلة تمثيل مباشر. هذه الفكرة تظهر بوضوح على الشاشة: الكادرات ساكنة غالباً، والإيقاع متأنٍ، والنظرات تحمل ما تعجز عنه الحوارات.
هذا الحس الأدائي ليس مفاجئاً إذا تذكرنا أن فولييتا قادمة أساساً من التمثيل. لذلك يبدو تعاملها مع الممثلين منضبطاً وحميماً في آن واحد، من دون استعراض بصري زائد. الأهم أنها لا تسقط في فخ تحويل الصمت إلى بطء فارغ؛ بل تستخدمه كجزء من بنية الفيلم النفسية، بحيث يصبح كل توقف أو نظرة امتداداً لمعنى غير منطوق. بالنسبة لمتابع عربي أو مصري، قد يستدعي ذلك نوعية الأفلام التي تراهن على الأداء الداخلي أكثر من الجمل الحوارية اللامعة، وهو رهان ليس سهلاً تجارياً لكنه يثمر فنياً حين يُنفذ بهذا القدر من الثقة.
أداء ألبا رورفاخر يقود الفيلم
في مقدمة عناصر القوة يأتي اختيار ألبا رورفاخر لبطولة الفيلم في دور إيريكا. رورفاخر، وهي من أبرز ممثلات السينما الإيطالية المعاصرة، تحمل الشخصية بمزيج من الانكسار واليقظة المتأخرة، فتجعل المشاهد يقرأ تغيراتها حتى عندما لا تقول الكثير. حضورها هنا ليس صاخباً، بل متراكم، وهو تماماً ما تحتاجه شخصية امرأة تكتشف أنها أمضت سنوات في العيش من خلال الآخرين. وقد جاءت رورفاخر في قائمة الأبطال الرئيسية إلى جانب غويدو كابرينو وكاترينا كاسيني، مع مشاركة إيليو دي كابيتاني.
أما غويدو كابرينو، فيؤدي ماورو بوصفه رجلاً ليس شريراً ولا قاسياً بالمعنى التقليدي، بل شخصاً محدود الأدوات في التعبير عن ضعفه. وهذه نقطة ذكية في كتابة الفيلم؛ إذ لا يوزع اللوم بشكل ساذج، بل يرصد كيف يُنتج الصمت سوء فهم متبادلاً يبتلع الاثنين معاً. النتيجة أن العلاقة تبدو مألوفة ومؤلمة في الوقت نفسه، وهو ما يجعل الفيلم قادراً على تجاوز خصوصيته الإيطالية نحو معنى إنساني أوسع.
وعند الحديث عن آنا فولييتا، يمكن الإشارة إليها بوصفها صانعة الفيلم الأساسية، وهي حاضرة أيضاً كإحدى المنتجين عبر Blu One Lab، وقد ذُكرت رسمياً ضمن فريق الإنتاج إلى جانب Viola Prestieri وValeria Golino وشركات منها HT Film وIndigo Film وTenderstories، مع Rai Cinema ومشاركة HBO Max. كما يتولى توزيع الفيلم داخل إيطاليا شركة BIM Distribuzione، وحددت تقارير إيطالية حديثة موعد طرحه في الصالات يوم 24 سبتمبر 2026.
مهرجانات 2026 ومسار الفيلم الدولي
على مستوى الحضور المهرجاني، دخل «A Common Story» المسابقة في قسم Orizzonti ضمن الدورة الثالثة والثمانين من مهرجان فينيسيا، الذي أُقيمت فعالياته بين 2 و12 سبتمبر 2026. كما أدرجته قاعدة بيانات Cineuropa ضمن اختيارات Toronto 2026 في برنامج Discovery، ما يمنح الفيلم منصة إضافية خارج أوروبا ويعزز فرص انتشاره بين جمهور السينما الفنية. هذا المسار مهم لأنه يضع العمل منذ البداية داخل دائرة الأفلام التي تبني سمعتها عبر المهرجانات والتوصيات النقدية، لا عبر السوق الجماهيري المباشر.
قراءة نقدية: فيلم عن المشاعر التي لا تُقال
أكبر نجاح للفيلم أنه لا يحاول تفسير كل شيء. لا توجد خطب طويلة، ولا مشاهد مواجهة مصممة فقط لاقتناص التصفيق. بدلاً من ذلك، يمنحنا العمل مراقبة دقيقة لكيفية تشكل الاغتراب داخل بيت واحد. قد يرى بعض المشاهدين أن إيقاعه البطيء يتطلب صبراً، لكن هذا البطء نفسه جزء من منطقه الفني؛ فالقصة هنا عن التآكل، والتآكل لا يحدث بضربة واحدة.
من زاوية فنية، يعتمد الفيلم على:
- أداءات داخلية قوية تقودها ألبا رورفاخر وغويدو كابرينو.
- إخراج مراقب وهادئ يمنح المساحات غير المنطوقة قيمة درامية حقيقية.
- نص يشتبك مع فكرة الفراغ بعد مغادرة الأبناء من دون ابتذال أو عاطفية مفتعلة.
- تصور بصري متحفظ يخدم الموضوع ولا يطغى عليه.
في المقابل، الفيلم ليس موجهاً لمن يبحث عن حبكة سريعة أو تقلبات درامية كثيفة. إنما هو من الأعمال التي تترك أثرها بالتراكم، وتمنح المشاهد مساحة للتفكير في ما لا يُقال داخل العلاقات الطويلة.
هل يستحق المشاهدة؟
نعم، إذا كنت من جمهور أفلام العلاقات والدراما النفسية الإيطالية التي تعطي الأولوية للأداء والكتابة الدقيقة. «A Common Story» ليس فيلماً صاخباً، لكنه فيلم ناضج يعرف جيداً ما يريد قوله عن الوحدة داخل الزواج، وعن اللحظة التي يكتشف فيها شخصان أنهما عاشا طويلاً جنباً إلى جنب، من دون أن يصلا حقاً إلى بعضهما البعض. بالنسبة لقسم مراجعات الأفلام، فهذا واحد من الأعمال التي تستحق المتابعة خلال موسم مهرجانات 2026، ليس فقط لأنه أول إخراج روائي طويل لآنا فولييتا، بل لأنه يقدم مثالاً على كيف يمكن للسينما أن تصنع توتراً كاملاً من الهشاشة والفراغ والإنصات.