Filmatology

مراجعة فيلم Ghost Song: حب شاب يراهن على ما بعد الموت

عودة فاتح أكين إلى الرومانسية الشبحية

يفتتح المخرج الألماني-التركي فاتح أكين أحدث أفلامه Ghost Song وسط اهتمام نقدي واضح، بعد اختياره فيلم الافتتاح في الدورة الرابعة والسبعين من مهرجان سان سباستيان السينمائي المقامة بين 18 و26 سبتمبر 2026، مع وجوده أيضاً داخل المسابقة الرسمية على جائزة الصدفة الذهبية. الفيلم يحمل في الأصل العنوان الألماني Geister، ومدته 106 دقائق، وهو إنتاج ألماني مشترك تقوده Bombero International بالتعاون مع Warner Bros. Film Productions Germany وRialto Film GmbH.

هذه المكانة المهرجانية رفعت سقف التوقعات تلقائياً، خصوصاً أن اسم أكين لا يزال مرتبطاً لدى كثيرين بأعماله الأبرز في العقدين الماضيين، وبقدرته على مزج الأسئلة الهوية والاغتراب مع عاطفة حادة ونبرة سينمائية مباشرة. لكن Ghost Song لا يعود إلى تلك المنطقة نفسها تماماً؛ بل يذهب إلى مساحة أكثر نعومة وتأملاً، حيث الحب والفقد والحضور الشبحـي يصبحون مادة لفيلم رومانسي ذي طابع ماورائي.

قصة الحب تبدأ حيث يفترض أن تنتهي

تدور الحكاية في هامبورغ حول شابين في العشرين من العمر: فراشة التي تؤديها مريم داود، وفارس الذي يجسده إيرين إم. جوفرتشين. يلتقي الاثنان في حفل تخرج، وتتشكل بينهما شرارة سريعة وواضحة، لكن المأساة تضرب في الليلة نفسها حين تموت فراشة، قبل أن تُمنح فرصة العودة إلى فارس عبر أحلامه لمدة 40 ليلة فقط. من هنا يبني الفيلم فكرته الأساسية: ماذا لو استمرت قصة الحب بعد الموت، ولكن ضمن مهلة عاطفية محددة سلفاً؟

الفيلم مكتوب بالاشتراك بين فاتح أكين والسيناريست روث توما، ويستفيد من هذه الفرضية البسيطة نسبياً ليصنع علاقة لا تقوم على التفاصيل اليومية التقليدية بقدر ما تقوم على الانتظار والاشتياق والإحساس بأن الزمن نفسه صار عدواً للعاشقين. هذه نقطة قوة واضحة في العمل، لأنها تمنحه نبرة وجدانية مفهومة وسهلة الالتقاط حتى عندما يتعثر السرد في محطات أخرى.

ما الذي ينجح فيه الفيلم فعلاً؟

1) الكيمياء بين البطلين

أهم ما يقدمه Ghost Song هو حضوره الإنساني على مستوى الثنائي الرئيسي. مريم داود، في أول ظهور سينمائي لافت لها، تمنح شخصية فراشة مزيجاً من الحيوية والهشاشة معاً، بينما يقدّم إيرين إم. جوفرتشين فارس بوصفه شاباً لا يعرف كيف يتعامل مع الفقد إلا عبر التعلق به أكثر. العلاقة بينهما هي ما يبقي الفيلم متماسكاً حتى عندما تتراجع الدقة الدرامية.

2) الصورة بوصفها بطلاً موازياً

مدير التصوير فرانك جريبِه يمنح هامبورغ مظهراً مختلفاً عما اعتدناه في كثير من الأفلام الحضرية القاتمة. معظم الفيلم يأتي في صياغة بصرية يغلب عليها الأبيض والأسود، وهو خيار يزيد الإحساس بالحلم، ويجعل المدينة تبدو معلقة بين العالم الواقعي والعالم الآخر. هذه المعالجة البصرية ليست مجرد زينة شكلية؛ بل هي جزء أساسي من التجربة، وتكاد أحياناً تعوض ما ينقص السيناريو من عمق أو مفاجأة.

3) فكرة الحداد كجسر درامي

اختيار الأربعين ليلة ليس تفصيلاً عابراً. الفيلم يستند إلى طقس الحداد بصفته مساحة زمنية بين الرحيل والتسليم، وبين الرغبة في التشبث بمن رحل والحاجة إلى تركه يمضي. هذا البعد يضيف للعمل ملمحاً روحانياً واضحاً، من دون أن يتحول إلى خطاب ديني مباشر أو ثقيل.

أين يتراجع Ghost Song؟

رغم جاذبية الفكرة وألق الصورة، لا يبلغ الفيلم ذروة فنية جديدة في مسيرة أكين. المشكلة الأساسية أن السيناريو يبدو أحياناً أسيراً لفرضيته الرومانسية، فيكرر الفكرة أكثر مما يطوّرها. بدلاً من أن تتصاعد الرحلة إلى اكتشافات درامية متتالية، يميل الفيلم إلى الدوران داخل الإحساس نفسه: شوق، لقاءات حلمية، وعدّ تنازلي للنهاية. هذا ليس سيئاً في حد ذاته، لكنه يجعل الإيقاع أقل كثافة مما يحتاجه فيلم يريد أن يجمع بين الميلودراما والخيال الميتافيزيقي.

هناك أيضاً لحظات تقترب من الافتعال العاطفي، خاصة عندما يحاول الفيلم رفع منسوب التأثر بدلاً من ترك الصورة والأداء يقومان بالمهمة وحدهما. لذلك قد يشعر بعض المشاهدين بأن Ghost Song أجمل بصرياً مما هو محكم درامياً.

موقع الفيلم داخل مسيرة فاتح أكين

من الصعب مشاهدة هذا العمل من دون وضعه في سياق مسيرة فاتح أكين، الذي عرفه جمهور السينما العالمية بأفلام حصدت حضوراً قوياً في برلين وكان وفينيسيا، ثم اتجه لاحقاً إلى مسارات متبدلة بين الدراما النفسية والسيرة والقصص ذات الطابع التجاري النسبي. الجديد هنا أنه يعود إلى فيلم أكثر حميمية، وأقل صخباً من بعض أعماله الأخيرة، لكنه يفعل ذلك عبر مزج الرومانسية بالموت والمدينة والذاكرة.

وبالنسبة للقارئ المصري المتابع لسينما المهرجانات، فإن Ghost Song يندرج ضمن تلك الأفلام التي قد لا تتحول إلى ظاهرة جماهيرية واسعة، لكنه يملك من العناصر ما يجعله حاضراً في النقاش النقدي: مخرج معروف، افتتاح مهرجان كبير، قصة حب غير اعتيادية، ووجه جديد لافت في دور البطولة.

لماذا قد يهم جمهور مصر؟

جاذبية الفيلم بالنسبة لجمهور المنطقة العربية لا تأتي فقط من شهرته المهرجانية، بل أيضاً من وجود اللغة العربية ضمن لغات الفيلم الأصلية إلى جانب الألمانية والتركية، ومن حضور شخصية فراشة التي تحمل خلفية سورية لاجئة. هذا لا يعني أن العمل فيلم عن اللجوء بالمعنى السياسي المباشر، لكنه يضيف طبقة هوية وانتماء تجعل قصته أقرب إلى حساسيات الجمهور العربي من كثير من الرومانسيات الأوروبية التقليدية.

كما أن المراهنة على فكرة الحب بعد الفقد تمنح الفيلم مدخلاً عاطفياً عالمياً وسهل العبور، وهي نقطة قد تجذب جمهور المنصات ومحبي الدراما الرومانسية ذات الطابع الحالم، حتى لو لم يكونوا من المتابعين الدائمين لأفلام المهرجانات.

الحكم النهائي

Ghost Song ليس من قمم فاتح أكين، لكنه أيضاً ليس عملاً عابراً أو بلا ملامح. الفيلم يربح رهانه في الأداءات الشابة، وفي بناء عالم بصري أخّاذ، وفي تحويل الحداد إلى قصة حب مؤقتة تعيش على هامش الحلم. لكنه يخسر بعض الزخم بسبب كتابة لا تدفع الفكرة بعيداً بما يكفي، وتميل أحياناً إلى التكرار والمباشرة العاطفية.

إذا كنت تبحث عن فيلم رومانسي خارق للطبيعة بنَفَس فني وصورة لافتة، فستجد في Ghost Song تجربة تستحق المتابعة. أما إذا كنت تنتظر من فاتح أكين عملاً يعادل ذروة إنجازاته القديمة، فربما ستخرج بانطباع أقرب إلى الإعجاب الجزئي منه إلى الانبهار الكامل.

الخلاصة في نقاط

  • نقطة القوة الأساسية: الكيمياء بين مريم داود وإيرين إم. جوفرتشين.
  • أفضل عناصر الفيلم: التصوير بالأبيض والأسود واستثمار ليل هامبورغ.
  • أبرز الملاحظات: الإيقاع يتباطأ والسيناريو لا يطوّر فكرته بالقدر الكافي.
  • تصنيف مناسب للمشاهدة: لمحبي الرومانسية الحالمة وأفلام المهرجانات.