مراجعة Bad Lieutenant: Tokyo.. عودة مرتبكة لاسم ثقيل
مراجعة فيلم Bad Lieutenant: Tokyo
يحاول فيلم Bad Lieutenant: Tokyo أن يضيف فصلاً جديداً إلى اسم سينمائي ارتبط عبر العقود بصورة الشرطي الغارق في الفساد والإدمان والانهيار الأخلاقي. النسخة الجديدة تأتي من إخراج الياباني تاكاشي ميكي، وبطولة شون أوغوري وليلي جيمس (@lilyjamesofficial على إنستغرام)، مع سيناريو كتبه دايسوكي تنجان. ووفق البيانات المتداولة عن الفيلم، تدور القصة حول شرطي في طوكيو يعاني إدمان القمار، يتقاطع مساره مع عميلة من مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي أثناء البحث عن ابنة سياسي مفقودة، بينما يلوح تهديد آتٍ من عالم الجريمة المنظم في الخلفية. وقد سُجل عرض الفيلم في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي يوم 14 سبتمبر 2026، على أن يبدأ عرضه في اليابان يوم 23 أكتوبر 2026.
على الورق، تبدو هذه العناصر كافية لصناعة فيلم جريمة متوتر ومشحون: مخرج صاحب أسلوب صدامي، ومدينة مثل طوكيو تحمل بطبيعتها إمكانات بصرية وسردية هائلة، وامتداد لاسم سينمائي معروف بين محبي أفلام الجريمة. لكن النتيجة النهائية، على مستوى المشاهدة، تبدو أقل حدة وتأثيراً مما توحي به المقدمة.
حبكة تحمل وعوداً أكبر من تنفيذها
الفيلم يضع بطله في قلب دوامة أخلاقية ونفسية، وهي الفكرة نفسها التي منحت العنوان مكانته منذ نسخة آبل فيريرا الأصلية ثم إعادة توظيفه لاحقاً في Bad Lieutenant: Port of Call New Orleans مع فيرنر هيرتزوغ. الجديد هنا هو نقل الثقل الدرامي إلى اليابان، مع ربط مسار الشرطي الفاسد بعالم الياكوزا وبخيط دولي تمثله شخصية عميلة الـFBI التي تؤديها ليلي جيمس.
لكن المشكلة الأساسية أن الفيلم لا يحسم مبكراً أي نوع من الأعمال يريد أن يكونه بالضبط: هل هو دراسة شخصية لرجل يتآكل من الداخل؟ أم فيلم جريمة بوليسي عن شبكة نفوذ وعنف؟ أم مواجهة ثقافية بين مؤسسات أمنية يابانية وأمريكية؟ هذا التردد ينعكس على الإيقاع وعلى تماسك السرد، فيخرج العمل وكأنه ينتقل بين أكثر من مسار من دون أن يمنح أي خط درامي الوقت الكافي لينضج بالكامل.
شون أوغوري يمنح الدور ثقله الإنساني
أقوى ما في الفيلم هو حضور شون أوغوري، الذي يتحمل العبء الأكبر في رسم شخصية شرطي مأزوم ومندفع ومليء بالتناقضات. الأداء لا يحل كل مشكلات الكتابة، لكنه يمنح الشخصية قدراً من المصداقية يجعل المتفرج يواصل المتابعة حتى عندما يتعثر البناء الدرامي. أوغوري لا يقدم بطلاً تقليدياً يمكن التعاطف معه بسهولة، بل شخصية خشنة، مرتبكة، ومندفعة نحو الأسوأ، وهذا يتناسب مع روح السلسلة.
في المقابل، تبدو ليلي جيمس أقل استفادة مما يتيحه الفيلم نظرياً لشخصيتها. وجودها مهم في الحبكة، لكنه لا يتطور بالعمق المتوقع، فتظل الشخصية أقرب إلى أداة لتحريك الأحداث منها إلى طرف كامل التكوين داخل العالم الدرامي. ورغم ذلك، فإن حضورها يمنح العمل بعداً دولياً يوسع من نطاق الحكاية خارج الحدود اليابانية.
تاكاشي ميكي بين السمعة الكبيرة والنتيجة الباهتة
لدى تاكاشي ميكي تاريخ طويل مع السينما اليابانية، خصوصاً في أفلام العنف والجريمة والرعب، وهو اسم يعرفه جمهور السينما النوعية جيداً. لذلك كان من الطبيعي أن يرفع اقتران اسمه بعنوان Bad Lieutenant سقف التوقعات. لكن الفيلم لا يبدو في أفضل حالاته الإخراجية، لا من حيث ضبط النبرة ولا من حيث صناعة تصاعد بصري ونفسي يواكب ثقل الفكرة.
هناك لمحات متفرقة تذكرنا بأننا أمام مخرج يمتلك حساً خاصاً في التعامل مع الفوضى والعالم السفلي، خصوصاً في مشاهد الاحتكاك مع دوائر الجريمة في طوكيو، إلا أن هذه اللمحات لا تتراكم لتصنع تجربة متماسكة. وحتى عندما يلمح الفيلم إلى أسئلة عن الخلاص والذنب والانحدار، فإنه لا يذهب بعيداً بما يكفي كي يحولها إلى قلب نابض للعمل.
طوكيو حاضرة كخلفية أكثر منها بطلاً
من أكثر الأمور التي كان يمكن أن تمنح الفيلم فرادته حقاً هي المدينة نفسها. طوكيو، بما تحمله من تناقضات بين الواجهة الحديثة والعالم السفلي المنغلق، تبدو مسرحاً مثالياً لهذا النوع من القصص. ومع ذلك، لا يستثمر الفيلم المدينة بالدرجة التي كان ينتظرها المشاهد. نعم، المكان موجود بصرياً، لكن حضوره في بناء الحالة النفسية والدرامية يظل محدوداً نسبياً.
وبالنسبة للقارئ المصري الذي يتابع أفلام الجريمة العالمية، فهذه نقطة مهمة: الفيلم لا يقدم طوكيو بوصفها تجربة سينمائية متفردة بقدر ما يستخدمها إطاراً عاماً لحكاية يمكن، نظرياً، أن تقع في مدن أخرى لو تغيرت بعض التفاصيل.
كيف تبدو التجربة مقارنة بتاريخ الاسم؟
أي فيلم يحمل اسم Bad Lieutenant يدخل تلقائياً في مقارنة صعبة. الجمهور لا يذهب فقط لمشاهدة حكاية شرطي فاسد، بل ينتظر معالجة حادة، صادمة، ومشحونة أخلاقياً. النسخة الجديدة تحتفظ بالعناصر السطحية للفكرة: رجل قانون يتورط أكثر فأكثر، إدمان، فساد، واصطدام مع عالم الجريمة. لكنها لا تصل إلى التأثير العنيف نفسياً الذي جعل الأعمال السابقة عالقة في الذاكرة.
هذا لا يعني أن الفيلم عديم القيمة. هو يظل قابلاً للمشاهدة لمحبي تاكاشي ميكي وأفلام الجريمة اليابانية، كما أن وجود شون أوغوري وليلي جيمس يضيف عنصر جذب واضح. لكن من يبحث عن تجربة محكمة أو عن إضافة كبرى إلى تاريخ الاسم، قد يخرج بإحساس أن الفيلم اكتفى بالاقتراب من الفكرة من دون أن يمتلك الشجاعة أو التركيز الكافيين لتفجيرها بالكامل.
هل يستحق المشاهدة؟
إذا كنت من جمهور مراجعات الأفلام الذي يهتم بأفلام الجريمة الآسيوية أو يتابع مسيرة تاكاشي ميكي، فالفيلم يستحق فرصة بدافع الفضول والمتابعة النقدية أكثر من كونه عملاً لا يفوَّت. أما إذا كنت تبحث عن فيلم جريمة مشدود الإيقاع، واضح الهوية، وقادر على ترك أثر قوي بعد النهاية، فقد تجد أن Bad Lieutenant: Tokyo أقل من التوقعات.
- نقاط القوة: أداء شون أوغوري، الفكرة الأساسية، وخلفية طوكيو الإجرامية.
- نقاط الضعف: تشتت الحبكة، ضعف التماسك، وشخصيات لا تحصل على العمق الكافي.
- الأنسب له: محبو السينما اليابانية وأفلام الجريمة ذات الطابع المظلم.
الخلاصة
Bad Lieutenant: Tokyo فيلم يحمل اسماً لامعاً وصناعاً قادرين نظرياً على تقديم شيء صاخب ومختلف، لكنه يصل إلى الشاشة كعمل متذبذب، فيه أفكار واعدة أكثر من لحظات مكتملة. الأداء الرئيسي جيد، والخلفية الدرامية مغرية، لكن التنفيذ لا يرتقي دائماً إلى مستوى الطموح. بالنسبة لقسم مراجعات الأفلام، يمكن اعتباره تجربة متوسطة تميل إلى الإرباك أكثر من الإبهار، وتؤكد أن قوة العنوان وحدها لا تكفي لصناعة فيلم لا يُنسى.