Filmatology

مركز الثقافة السينمائية يحيي ذكرى بليغ حمدي بـ«الطير المسافر»

عرض خاص في قلب القاهرة لاستعادة سيرة بليغ حمدي

يواصل مركز الثقافة السينمائية التابع للمركز القومي للسينما نشاطه في تقديم عروض وفعاليات مرتبطة برموز الفن المصري، إذ يستضيف في الساعة السابعة مساء الأربعاء 23 سبتمبر 2026 عرض الفيلم الوثائقي «الطير المسافر: بليغ.. عاشق النغم»، وذلك بمقر المركز في 36 شارع شريف بوسط البلد. وتأتي الفعالية في إطار الاحتفاء بذكرى الموسيقار والملحن المصري الكبير بليغ حمدي، أحد أهم الأسماء التي تركت أثرًا ممتدًا في الوجدان الغنائي العربي.

الفعالية الجديدة تعكس توجهًا واضحًا داخل مؤسسات الثقافة الرسمية في مصر نحو إعادة تقديم رموز الموسيقى والسينما للأجيال الجديدة عبر لغة الفيلم الوثائقي، خاصة حين يتعلق الأمر باسم بحجم بليغ حمدي، الذي لا يزال حضوره حاضرًا في الذاكرة العامة من خلال ألحان ارتبطت بأصوات كبرى وأعمال صارت جزءًا من التراث الفني المصري.

ما الذي نعرفه عن فيلم «الطير المسافر: بليغ.. عاشق النغم»؟

الفيلم الوثائقي ليس جديدًا على المشهد الثقافي؛ فقد شهد العرض الأول له في 12 سبتمبر 2024 على المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، ضمن تعاون بين المركز القومي للسينما ودار الأوبرا. والعمل من فكرة وسيناريو الناقدة فايزة هنداوي، ومن إخراج حسين بكر، ويعتمد على مواد أرشيفية ومقابلات مع شخصيات فنية من مجالات الغناء والموسيقى والسينما، في محاولة لتقديم قراءة بصرية لسيرة بليغ حمدي ومسيرته الإبداعية.

وبحسب المعلومات المتاحة عن الفيلم، فإنه لا يكتفي بسرد خط زمني تقليدي لحياة الموسيقار الراحل، بل يقترب من أثره الفني والإنساني، وكيف تحولت ألحانه إلى جزء من التكوين السمعي لأكثر من جيل في مصر والعالم العربي. هذه المقاربة تجعل عرض الفيلم في مركز الثقافة السينمائية مناسبة تتجاوز التذكر الرمزي إلى إعادة طرح سؤال مهم: لماذا ظل بليغ حمدي حاضرًا بهذا الزخم حتى اليوم؟

بليغ حمدي.. اسم لا يغيب عن تاريخ الموسيقى المصرية

وُلد بليغ عبدالحميد حمدي مرسي في حي شبرا بالقاهرة يوم 7 أكتوبر 1932، وفق ما تنشره الهيئة العامة للاستعلامات في صفحة التعريف به. كما تشير المصادر الرسمية إلى أنه أتقن العزف على العود منذ طفولته، والتحق بالدراسة الموسيقية بالتوازي مع دراسته الأكاديمية، قبل أن ينصرف إلى التلحين ويصبح لاحقًا من أبرز المجددين في الأغنية المصرية والعربية.

ارتبط اسم بليغ حمدي بأعمال خالدة لنجوم كبار، من بينهم أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ووردة وشادية ونجاة وفايزة أحمد. ومن بين المحطات اللافتة في مسيرته تعاونه مع أم كلثوم في مجموعة من الأغنيات التي حافظت على مكانتها الجماهيرية حتى الآن، إلى جانب نجاحه في تقديم ألحان جمعت بين البساطة الشديدة والقدرة على الابتكار.

ورغم مرور عقود على رحيله، لا يزال اسم بليغ حمدي يعود بقوة كلما جرى الحديث عن مدرسة التلحين المصرية الحديثة، خصوصًا في ما يتعلق بقدرته على الجمع بين الحس الشعبي والثراء الموسيقي، وهي المعادلة التي صنعت فرادته وجعلته مختلفًا عن كثير من أبناء جيله.

تاريخ الذكرى ولماذا يتجدد الاهتمام به؟

تحل ذكرى رحيل بليغ حمدي في شهر سبتمبر من كل عام، إذ تذكره المصادر الرسمية بوصفه واحدًا من كبار صناع الأغنية العربية في القرن العشرين. وفي السنوات الأخيرة، زاد حضور اسمه داخل الندوات والعروض الوثائقية والبرامج الثقافية، سواء في دار الأوبرا المصرية أو عبر المركز القومي للسينما أو في فعاليات مؤسسات ثقافية أخرى، وهو ما يعكس استمرار الاهتمام الرسمي والجماهيري بإرثه.

هذا الاهتمام لا يرتبط فقط بالنوستالجيا، بل أيضًا بإعادة تقديم رموز القوة الناعمة المصرية في لحظة تحتاج فيها الأجيال الجديدة إلى معرفة أقرب بأسماء صنعت وجدان المنطقة لعقود. ومن هنا تبدو العودة إلى سيرة بليغ حمدي عبر السينما الوثائقية خطوة منطقية ومهمة في آن واحد.

أهمية العرض لجمهور السينما والثقافة في مصر

اختيار وسط البلد، وبالتحديد مقر مركز الثقافة السينمائية في شارع شريف، يضيف بعدًا خاصًا للفعالية. فهذه المنطقة لا تزال تمثل مركزًا ثقافيًا وتاريخيًا في القاهرة، وترتبط في الذاكرة المصرية بمساحات العرض والفن والجدل الثقافي. لذلك فإن عرض فيلم عن بليغ حمدي في هذا الموقع يمنح الحدث قيمة رمزية إضافية، ويضعه في سياق أوسع من مجرد أمسية مشاهدة.

كما أن الفيلم الوثائقي المصري بات في السنوات الأخيرة أكثر حضورًا في المشهد العام، خصوصًا حين يتناول شخصيات ثقافية وفنية مؤثرة. وعندما يكون موضوع الفيلم هو بليغ حمدي، فإن مساحة التفاعل تصبح أكبر، لأن الجمهور لا يذهب لمشاهدة سيرة مجهولة، بل لملاقاة اسم يعرفه من عشرات الأغنيات التي ما زالت تُسمع في البيوت والسيارات والمنصات الرقمية.

لماذا يستحق الفيلم المتابعة؟

  • لأنه يوثق سيرة فنان مصري محوري ترك بصمة واضحة في تاريخ الأغنية العربية.
  • لأنه يعتمد على مواد أرشيفية تساعد على استعادة زمن فني كامل من داخل الصورة والصوت.
  • لأنه يقدّم بليغ حمدي من زاوية إنسانية وفنية، وليس فقط عبر قائمة أعماله الشهيرة.
  • ولأنه جزء من نشاط رسمي ثقافي يهدف إلى ربط الجمهور المعاصر بالتراث الموسيقي المصري.

المركز القومي للسينما يواصل الرهان على الذاكرة الفنية

العرض الجديد يأتي ضمن نشاط المركز القومي للسينما برئاسة الدكتور أحمد صالح، في إطار برنامج يهتم بالعروض الخاصة والفعاليات التي تتقاطع مع الذاكرة الفنية المصرية. وفي هذا السياق، تبدو الأفلام الوثائقية عن رموز الموسيقى والسينما أداة فعالة لاستعادة التاريخ الفني بلغة قريبة من جمهور اليوم.

ومن المنتظر أن يستقطب عرض «الطير المسافر: بليغ.. عاشق النغم» جمهورًا من المهتمين بالموسيقى المصرية الكلاسيكية، إلى جانب طلاب السينما والباحثين في تاريخ الأغنية، خصوصًا أن الفيلم سبق تقديمه في أكثر من مناسبة ثقافية منذ إنتاجه عام 2024، ما يؤكد أن هناك اهتمامًا متواصلًا بإتاحته أمام شرائح مختلفة من الجمهور.

بليغ حمدي بين السينما والموسيقى

ورغم أن شهرة بليغ حمدي ارتبطت أساسًا بالتلحين، فإن حضوره داخل المجال السينمائي يظل مهمًا أيضًا، سواء عبر الموسيقى المرتبطة بالأفلام أو من خلال حضوره كشخصية تستحق المعالجة الوثائقية. ومن هنا، فإن عرض فيلم عنه داخل مؤسسة سينمائية مصرية يبدو امتدادًا طبيعيًا لفكرة أن السينما ليست فقط شاشة للترفيه، بل وسيلة لحفظ التاريخ الفني وإعادة تأويله.

في النهاية، يقدم عرض الأربعاء فرصة ثمينة لمحبي الفن المصري لاستعادة واحد من أكثر الأسماء تأثيرًا في الذاكرة الغنائية العربية. وبين سيرة شخصية استثنائية ومواد أرشيفية ومقابلات فنية، يبدو «الطير المسافر: بليغ.. عاشق النغم» محطة جديدة في مسار الاحتفاء المصري المتجدد بإرث موسيقار لا تزال ألحانه تنبض بالحياة.