مصطفى النحاس في ميدفست: كيف تنقذنا السينما من معاركنا الداخلية؟
جلسة تناقش ما تفعله السينما داخلنا
ضمن برنامج الدورة الثامنة من مهرجان ميدفست مصر، عادت الأسئلة القديمة حول علاقة الشاشة بمشاعرنا إلى الواجهة، لكن هذه المرة من زاوية أقرب إلى الحياة اليومية للمشاهد المصري: لماذا نرتبط ببطل بعينه؟ ولماذا تبدو بعض الشخصيات كأنها تتحدث بلساننا أو تنوب عنا في التعبير عما نعجز عن قوله؟ هذا كان جوهر الجلسة النقاشية التي حملت عنوان «الأفلام جوانا: عن معاركنا الداخلية»، وأقيمت في الجامعة الأمريكية بالقاهرة في ميدان التحرير ضمن فعاليات المهرجان المستمرة من 10 إلى 14 سبتمبر 2026.
الدورة الحالية تُقام تحت شعار «برّه المشهد»، وهو عنوان يعكس بوضوح توجه المهرجان هذا العام نحو ما هو أبعد من الحكاية الظاهرة على الشاشة: التفاصيل النفسية، الاختيارات الصامتة، والخبرات الإنسانية التي تصنع الشخصيات وتصنع أيضًا علاقتنا بها كمشاهدين. ووفق المنصات الرسمية للمهرجان، تضم هذه النسخة أكثر من 85 فيلمًا قصيرًا من 25 دولة، إلى جانب ندوات وورش عمل وماستر كلاس وفعاليات موازية تربط بين الفن والصحة النفسية وصناعة الأفلام.
من هم المشاركون في جلسة «الأفلام جوانا»؟
بحسب البرنامج المعلن لليوم الأول من المهرجان، شارك في الجلسة كل من الدكتور مصطفى النحاس، والفنانة سلوى محمد علي، وأدارتها هبة خالد. وجاء اختيار الضيوف معبرًا عن طبيعة النقاش نفسه: مزيج بين القراءة النفسية والخبرة الفنية والمعايشة العملية لتأثير الدراما على المتلقي.
سلوى محمد علي، إحدى الوجوه الراسخة في المشهد الفني المصري، حضرت هنا ليس فقط بصفتها ممثلة صاحبة تاريخ طويل، لكن أيضًا كشاهدة على قدرة الأداء الصادق على ملامسة مناطق حساسة داخل الجمهور. أما مصطفى النحاس، وهو طبيب متخصص في الطب النفسي وعلاج الإدمان، فقدم مقاربة تفسر لماذا يتحول التعلق ببعض الشخصيات إلى تجربة وجدانية عميقة وليست مجرد متابعة ترفيهية.
ماذا قال مصطفى النحاس؟
خلال النقاش، توقف مصطفى النحاس عند فكرة التماهي مع الشخصيات الدرامية، موضحًا أن المشاهد قد يرى جزءًا من نفسه في البطل أو يجد في رحلته تعبيرًا عن صراع شخصي لا يستطيع صياغته بسهولة. ومن هنا تأتي تلك اللحظة التي يشعر فيها المتلقي بأن بطل الفيلم أو المسلسل “ينقذه” مؤقتًا من معاناة يعيشها بالفعل، لأن العمل يمنحه شكلًا من أشكال الفهم أو التنفيس أو حتى المواساة.
الفكرة هنا لا تتعلق ببطولة خارقة بالمعنى التقليدي، بل بما يمكن أن تفعله الشخصية المكتوبة جيدًا حين تكشف هشاشتها وخوفها وارتباكها. في هذه الحالة، لا يكتفي المشاهد بالفرجة، بل يدخل في علاقة انعكاس مع العمل؛ يرى نفسه، أو يتذكر جرحًا قديمًا، أو يلتقط احتمالًا جديدًا للتعافي.
هذا الطرح ينسجم مع الهوية العامة لميدفست مصر (@medfesteg على إنستغرام)، الذي يعرف نفسه باعتباره مهرجانًا يجمع بين السينما والقصص الإنسانية والصحة، ويقدم على مدار العام أنشطة تتجاوز عروض الأفلام إلى برامج مجتمعية وتدريبية وحوارات عامة.
لماذا يكتسب هذا النقاش أهمية داخل السينما المصرية؟
في مصر، لم تعد المناقشات حول الصحة النفسية في السينما هامشية كما كانت قبل سنوات. ثمة وعي متزايد داخل الصناعة وخارجها بأهمية الصورة التي تقدم بها الشخصيات المضطربة نفسيًا أو التي تمر بأزمات داخلية. لذلك يبدو ميدفست، بوصفه منصة محلية متخصصة، جزءًا من تحرك أوسع يعيد النظر في تمثيل الألم النفسي والخوف والوصم والتعافي على الشاشة.
كما أن أهمية الجلسة تنبع من توقيتها ومكانها. فإقامتها في قلب القاهرة، داخل الجامعة الأمريكية بالتحرير، وفي إطار مهرجان مصري يركز على الفيلم القصير وعلى الأثر الاجتماعي للفن، يمنحها بعدًا عمليًا: نحن لا نتحدث عن تنظير منفصل عن الواقع، بل عن جمهور مصري وعربي يشاهد، ويتأثر، ويعيد فهم نفسه أحيانًا عبر السينما.
«برّه المشهد».. تيمة تتجاوز الشاشة
اختيار شعار «برّه المشهد» للدورة الثامنة ليس مجرد عنوان دعائي. البرنامج المعلن للمهرجان يوضح أن الفكرة الأساسية تدور حول الالتفات إلى ما لا يظهر مباشرة: القصص الصغيرة، المناطق المسكوت عنها، والخبرات التي قد لا تلتقطها الكاميرا في المشهد الأول. ومن هذه الزاوية تبدو جلسة «الأفلام جوانا» واحدة من أكثر فعاليات الدورة اتساقًا مع الشعار، لأنها تذهب مباشرة إلى ما يحدث داخل المتفرج لا فقط داخل الفيلم.
المهرجان افتتح دورته الثامنة في 10 سبتمبر 2026، كما شهد تكريم الفنان محمد ممدوح والطبيب النفسي أحمد أبو الوفا ومحمد سعيد مدير سينما زاوية، في إشارة إلى رغبته في الجمع بين الفنانين والمتخصصين والفاعلين في المجال الثقافي تحت مظلة واحدة تناقش الإنسان بقدر ما تناقش الفن.
بين التلقي والعلاج: أين تقف السينما؟
الجلسة لم تطرح السينما كبديل للعلاج النفسي، بل كمساحة للفهم والاقتراب من الذات. وهذه نقطة مهمة جدًا، خصوصًا مع الانتشار الواسع لمحتوى يتحدث عن الاضطرابات النفسية على مواقع التواصل أحيانًا بصورة مبسطة أو مضللة. ما تفعله الأفلام الجيدة، بحسب النقاش، أنها تمنح المشاهد لغة يرى بها مشاعره، لكنها لا تلغي الحاجة إلى التخصص أو الدعم المهني عند الضرورة.
من هنا يمكن فهم جاذبية مثل هذه الندوات داخل مهرجان مصري متخصص: فهي تخلق مساحة آمنة للحوار بين الجمهور وصناع الصورة والأطباء، وتدفع إلى قراءة أكثر نضجًا لتأثير الدراما، بعيدًا عن الأحكام السريعة من نوع “الفيلم سبب الأزمة” أو “الفن مجرد تسلية”.
سلوى محمد علي والخبرة التمثيلية في قراءة الداخل
وجود الفنانة سلوى محمد علي أضفى على الحوار بعدًا إضافيًا، لأن الممثل يعرف من الداخل كيف تُبنى الشخصية وكيف تُترجم انفعالاتها إلى صوت ونظرة وإيقاع جسد. هذا النوع من الخبرة يوضح للجمهور أن الصراعات الداخلية التي تظهر على الشاشة لا تأتي من فراغ، بل من كتابة وتمرين وقراءة حساسة لما يختبئ خلف السلوك الظاهر.
وبالنسبة للسينما المصرية، تظل مثل هذه المشاركات مهمة لأنها تربط بين الحرفة الفنية وأسئلة المجتمع. فالمشاهد لا يتلقى الأداء كمجموعة جمل محفوظة فقط، بل كأثر نفسي وعاطفي قد يبقى معه طويلًا بعد انتهاء العرض.
ميدفست مصر يوسع مساحة الحوار
بعيدًا عن هذه الجلسة تحديدًا، تؤكد أجندة ميدفست مصر أن المهرجان يواصل تثبيت موقعه كواحد من المنصات المتخصصة النادرة في المنطقة التي تربط بين السينما والصحة. الموقع الرسمي للمهرجان يصفه بأنه أول مهرجان متنقل من نوعه في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يجمع بين الفيلم والوعي المجتمعي، بينما تشير مواد الدورة الثامنة إلى استمرار هذا الخط من خلال عروض ولقاءات وتجارب فنية موازية.
- موعد الدورة الثامنة: من 10 إلى 14 سبتمبر 2026.
- مكان الفعاليات الرئيسية: الجامعة الأمريكية بالقاهرة – ميدان التحرير.
- شعار الدورة: برّه المشهد.
- حجم البرنامج: أكثر من 85 فيلمًا قصيرًا من 25 دولة.
- طبيعة الفعاليات: عروض، جلسات نقاش، ورش، ماستر كلاس، وبرامج تفاعلية.
وفي ظل هذا التوجه، تبدو جلسة مصطفى النحاس واحدة من الفعاليات التي تعكس بوضوح لماذا يحظى المهرجان باهتمام متزايد داخل الوسط الثقافي المصري: لأنه لا يكتفي بعرض أفلام، بل يسأل ماذا تتركه هذه الأفلام فينا، وكيف يمكن أن تساعدنا على فهم معاركنا الخاصة، ولو للحظة واحدة.