معهد شون كونري يمنح إدنبرة قاعدة دائمة لتأهيل صناع الأفلام
قاعدة دائمة جديدة للسينما في إدنبرة
تستعد المدرسة الوطنية للسينما والتلفزيون البريطانية National Film and Television School، المعروفة اختصارًا بـNFTS، لتوسيع حضورها في اسكتلندا عبر إنشاء قاعدة دائمة في إدنبرة تحمل اسم معهد شون كونري. الخطوة تأتي بالشراكة مع مؤسسة شون كونري، في مسار يربط بين إرث النجم الاسكتلندي الراحل شون كونري وبين الاستثمار طويل الأمد في تعليم الشاشة وصناعة الأفلام.
وبالنسبة للقارئ المصري والعربي، فإن أهمية هذه الخطوة لا تتوقف عند خبر مؤسسي بريطاني، بل تمتد إلى ما تعنيه من إعادة رسم لخريطة التدريب السينمائي خارج لندن. فالمشهد الأوروبي اليوم يتجه بقوة إلى بناء مراكز إقليمية أكثر قربًا من المواهب المحلية، وهو ما يجعل إدنبرة مرشحة للعب دور أكبر في اكتشاف كتاب ومخرجين ومنتجين جدد خلال السنوات المقبلة.
ما الذي نعرفه عن المشروع حتى الآن؟
المعطيات المتاحة من الجهات الرسمية تشير إلى أن الإطلاق المستهدف سيكون في 2027، مع جمع وتوسيع أنشطة NFTS Scotland تحت مظلة موحدة في العاصمة الاسكتلندية. المدرسة تؤكد أصلًا أنها تعمل عبر مراكز في غلاسكو وإدنبرة، وتقدم في اسكتلندا أكثر من 100 دورة وفعالية ومعمل تدريبي في مجالات التطوير والإنتاج وما بعد الإنتاج والألعاب والرسوم المتحركة. كما تصف منصة Screen Scotland هذه الأنشطة بأنها جزء من منظومة دعم مهارات القطاع السمعي البصري في البلاد.
هذه الخلفية مهمة لأن المشروع الجديد لا يبدأ من الصفر، بل يبني على شبكة قائمة من التدريب العملي والبرامج المهنية. الجديد هنا هو تثبيت الوجود في مقر دائم، وتوحيد الجهود تحت اسم يرتبط مباشرة بأشهر اسم سينمائي خرج من إدنبرة إلى العالم: شون كونري.
لماذا اسم شون كونري تحديدًا؟
الاختيار يحمل بعدًا رمزيًا وثقافيًا واضحًا. شون كونري، المولود في إدنبرة عام 1930 والمتوفى في 31 أكتوبر 2020، يبقى أحد أهم الوجوه الاسكتلندية في تاريخ السينما العالمية، وكان أول من جسد شخصية جيمس بوند على الشاشة الكبيرة. موقعه في الذاكرة الشعبية يتجاوز النجومية إلى كونه رمزًا لهوية اسكتلندية استطاعت الوصول إلى الصناعة العالمية دون التفريط في خصوصيتها المحلية.
أما مؤسسة شون كونري فتوضح في تعريفها الرسمي أنها أُنشئت من خلال ترتيبات مرتبطة بإرث الراحل، وتركز في اسكتلندا بشكل أساسي على السينما والغولف، مع أولوية لدعم المواهب الناشئة وتوسيع فرص الوصول إلى مهن عالمية المستوى. هذا يفسر لماذا يبدو الاستثمار في التعليم السينمائي امتدادًا طبيعيًا لرسالة المؤسسة، لا مجرد مبادرة تحمل اسمًا معروفًا.
من المختبر إلى المعهد: ما الذي تحقق على الأرض؟
قبل الوصول إلى الصيغة الدائمة المرتقبة، كانت الشراكة قد أطلقت بالفعل Sean Connery Talent Lab، وهو برنامج عملي تمهيدي يعطي فكرة واضحة عن الاتجاه الذي يريد الطرفان تكريسه لاحقًا. وفق المعلومات المنشورة على موقع المدرسة، ينطلق البرنامج التالي في أواخر أبريل 2027 ويمتد 12 شهرًا بنظام جزئي حضوري في اسكتلندا، مع إغلاق باب التقديم في 10 نوفمبر 2026.
البرنامج يستهدف حتى 30 صانع أفلام كحد أقصى من تخصصات الكتابة/الإخراج والإنتاج والتصوير والمونتاج، على أن يتوزعوا على 6 فرق لإنجاز 6 أفلام قصيرة. وتحصل كل مجموعة على ميزانية إنتاج نقدية قدرها 25 ألف جنيه إسترليني إلى جانب الدعم التقني والمعدات والمرافق التي توفرها المدرسة. كما ينتهي المسار بمنح المشاركين دبلومًا في صناعة الأفلام من NFTS بعد عرض الأعمال أمام القطاع.
ومن التفاصيل اللافتة أيضًا أن رسوم البرنامج الأصلية البالغة 10 آلاف جنيه إسترليني تُخفَّض بفضل تغطية من المؤسسة، بحيث يدفع المقبولون 3 آلاف جنيه إسترليني فقط، مع إتاحة دعم إضافي ومنح مساندة للحالات التي قد تمثل لها الكلفة عائقًا. هذه النقطة مهمة لأنها تكشف أن الهدف ليس النخبوية، بل فتح المجال أمام أصوات جديدة من خارج الدوائر التقليدية في الصناعة.
شركاء الصناعة وراء البرنامج
المعلومات المنشورة على صفحة البرنامج تكشف أيضًا عن شبكة دعم واسعة من داخل القطاع البريطاني، تشمل BBC Film وThe Dana and Albert Broccoli Foundation كشريكين داعمين رئيسيين، إضافة إلى Prime Video وThe Rank Foundation، إلى جانب شركات ومؤسسات أخرى مثل DNA Films وHartswood Films وFirstStage Studios وBlazing Griffin وLS Productions وMG Alba وSynchronicity Films. كثافة هذه القائمة تعطي انطباعًا بأن المشروع مصمم ليكون بوابة حقيقية إلى السوق، لا مجرد تجربة أكاديمية معزولة.
إدنبرة تتحول إلى نقطة جذب لصناع الأفلام
الدور المتنامي لإدنبرة لا يظهر فقط في الإعلان عن المعهد، بل أيضًا في نتائج الدورات السابقة من المختبر. ففي مهرجان إدنبرة السينمائي الدولي 2025 قُدمت العروض العالمية الأولى لستة أفلام قصيرة خرجت من الدفعة الافتتاحية للمختبر. وفي برنامج مهرجان 2026 عاد التعاون نفسه ليقدم دفعة ثانية من ستة أفلام قصيرة جديدة لمخرجين ومبدعين صاعدين من اسكتلندا.
هذا التتالي السنوي يوضح أن المشروع لم يعد فكرة على الورق، بل بات جزءًا من الدورة الفعلية لحياة السينما في المدينة. وبالنسبة للمنطقة العربية، يمكن قراءة ذلك باعتباره نموذجًا قريبًا من فكرة معامل التطوير والإقامات الفنية التي تحتاجها صناعاتنا كذلك: شراكة بين مؤسسة تعليمية راسخة، وممول ثقافي، ومهرجان يعرض الناتج أمام السوق والجمهور.
ما الذي يعنيه ذلك لقراء مصر والمنطقة؟
من زاوية مصرية، الخبر يهم المتابعين لملف التعليم السينمائي بقدر ما يهم محبي أخبار النجوم. فالسوق العربي، بما فيه مصر، يتابع باهتمام كيف تتحول المدن ذات الإرث الثقافي إلى مراكز تدريب وإنتاج موازية للعواصم التقليدية. وإذا كانت القاهرة تمتلك وزنًا تاريخيًا عربيًا في الصناعة، فإن إدنبرة تقدم هنا مثالًا أوروبيًا على كيفية استثمار الاسم الثقافي والهوية المحلية في بناء منصة مستدامة للمواهب.
كما أن وجود برنامج يمنح ميزانيات إنتاج فعلية، ويقود المشاركين إلى أفلام قصيرة تُعرض في مهرجان دولي معروف، هو نموذج عملي يتجاوز الدورات النظرية المعتادة. هذا النوع من البنية التدريبية يهم صناع الأفلام الشباب في مصر والمنطقة ممن يراقبون فرص التعاون والدراسة والورش الدولية، خصوصًا في بيئة تزداد فيها قيمة الفيلم القصير كمدخل إلى الإنتاج الطويل والمنصات العالمية.
حضور رقمي وهوية مؤسسية
المدرسة الوطنية للسينما والتلفزيون تُعرّف جمهورها رقميًا أيضًا عبر حسابها الرسمي @nftsfilmtv على إنستغرام، وهو الحساب المرتبط بصفحاتها الرسمية. ورغم أن مؤسسة شون كونري تركز في خطابها العام على المنح والأثر المجتمعي أكثر من الحضور الترويجي، فإن رسالتها المعلنة تضع دعم تعليم الشاشة ضمن أولوياتها المباشرة في اسكتلندا.
الخلاصة
إقامة قاعدة دائمة باسم معهد شون كونري في إدنبرة اعتبارًا من 2027 تبدو خطوة مدروسة في سياق أوسع: تعزيز صناعة الشاشة الاسكتلندية، وربط التدريب العملي بالمهرجانات والسوق، وتحويل إرث اسم سينمائي عالمي إلى فرصة ملموسة للمواهب الجديدة. وإذا نجح المشروع في الحفاظ على ما بدأه Sean Connery Talent Lab من تمويل وتدريب وعروض أولى في مهرجان إدنبرة، فقد تصبح المدينة خلال سنوات قليلة واحدة من أكثر نقاط الانطلاق إثارة للاهتمام داخل المشهد السينمائي البريطاني والأوروبي.
- موعد الإطلاق المستهدف: 2027
- المكان: إدنبرة، اسكتلندا
- الجهتان الرئيسيتان: NFTS ومؤسسة شون كونري
- البرنامج القائم حاليًا: Sean Connery Talent Lab
- مدة البرنامج: 12 شهرًا
- عدد المشاركين: حتى 30 مشاركًا
- عدد الأفلام الناتجة: 6 أفلام قصيرة
- ميزانية كل فيلم: 25 ألف جنيه إسترليني