Filmatology

ميدفست يفتح ملف التعليم الفني لخدمة السينما المصرية

ميدفست يربط النقاش السينمائي بسؤال العمل والمهارة

في خطوة تعكس اتساع دور المهرجانات السينمائية خارج حدود العروض التقليدية، استضافت الدورة الثامنة من مهرجان ميدفست مصر للأفلام القصيرة ندوة بعنوان «بين الكلاكيت والصنعة.. نظرة جديدة للتعليم الفني»، لمناقشة موقع التعليم الفني في مصر، وكيف يمكن أن يتحول من مسار تعليمي يُساء فهمه اجتماعيًا إلى رافد مباشر لسوق العمل، بما في ذلك صناعة السينما المصرية. وأقيمت الندوة ضمن فعاليات المهرجان المقامة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة (@auc_egypt على إنستغرام) بميدان التحرير خلال الفترة من 10 إلى 14 سبتمبر 2026 تحت شعار «بره المشهد».

الندوة لم تتعامل مع التعليم الفني باعتباره ملفًا تربويًا فقط، بل كجزء من بنية إنتاجية أوسع تحتاجها السينما والتلفزيون في مصر؛ من الإضاءة والصوت والديكور والملابس إلى الماكياج والمؤثرات وخدمات مواقع التصوير. هذا الطرح يتقاطع مع توجه المهرجان نفسه، الذي يعرّف نشاطه بأنه لا يقتصر على العروض، بل يشمل برامج تدريبية وورشًا تقنية وحاضنة لصناعة الأفلام تحت عنوان «من النص إلى الشاشة».

جيهان الشماشرجي تدير النقاش من زاوية الصورة الذهنية

أدارت الندوة الفنانة ومصممة الحلي جيهان الشماشرجي، التي انطلقت من سؤال شديد الحضور في المجتمع المصري: لماذا ما زال التعليم الفني مرتبطًا في أذهان كثيرين بفكرة “بديل الدرجات الأقل” وليس “اختيار المهارة”؟ وطرحت الشماشرجي تجربتها الشخصية باعتبارها تميل منذ الصغر إلى الأعمال اليدوية، مشيرة إلى أنها لو عرفت مبكرًا تفاصيل المسارات الفنية والحرفية المتاحة لربما اختارت هذا الطريق منذ البداية.

هذا المدخل منح الندوة طابعًا قريبًا من الجمهور المصري، لأن أزمة التعليم الفني في مصر لا ترتبط فقط بالمناهج أو فرص التدريب، بل أيضًا بالنظرة الاجتماعية التي تجعل كثيرًا من الأسر تدفع أبناءها تلقائيًا نحو التعليم العام، حتى حين تكون ميولهم الحقيقية أقرب إلى المجالات التطبيقية والإنتاجية. ومن هنا بدا الربط مع السينما مهمًا؛ فالسينما، باعتبارها إحدى أدوات القوة الناعمة المصرية، قادرة على إعادة تقديم صورة مختلفة للعامل الفني والحرفي والمتخصص الذي يقف خلف الكاميرا.

مينا النجار: ما يحدث «بره المشهد» لا يقل أهمية

من جانبه، أكد الدكتور مينا النجار، مؤسس ورئيس المهرجان، أن فلسفة الدورة الثامنة تقوم أساسًا على إلقاء الضوء على ما يجري «بره المشهد»؛ أي على التفاصيل والدوائر المهنية والإنسانية التي تجعل الصناعة ممكنة، بعيدًا عن اختزال السينما في السجادة الحمراء والنجوم فقط. وتكتسب هذه الرؤية وزنًا إضافيًا هذا العام مع اتساع برنامج الدورة الثامنة، التي تضم أكثر من 85 فيلمًا قصيرًا من 25 دولة، إلى جانب 11 برنامجًا سينمائيًا وورش وماستر كلاس وفعاليات موازية.

كما أوضح النجار أن الندوة جاءت في إطار تعاون مع الوكالة الألمانية للتعاون الدولي GIZ، في إشارة إلى أن النقاش لا يقتصر على التنظير الثقافي، بل يرتبط بمقاربات عملية تخص التدريب والتأهيل وقراءة احتياجات السوق. ويظهر هذا التوجه أيضًا في أنشطة ميدفست الأوسع، التي تتضمن وفق موقعه الرسمي ورشًا تقنية في صناعة الفيلم، وبرامج لبناء القدرات، ومبادرات تصل بالسينما إلى مجتمعات خارج المركز التقليدي للعروض.

ما الذي قيل عن واقع التعليم الفني في مصر؟

بحسب ما طُرح في الجلسة، فإن منظومة التعليم الفني في مصر تضم مسارات متعددة، تشمل التعليم الفني العام، والتعليم والتدريب المزدوج، ومدارس التكنولوجيا التطبيقية، وهي النماذج التي تعمل الدولة خلال السنوات الأخيرة على التوسع فيها عبر شراكات مع القطاع الخاص وبالتركيز على احتياجات سوق العمل الفعلية. وتؤكد وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني في أكثر من عرض رسمي أن مدارس التكنولوجيا التطبيقية تمثل أحد النماذج الأساسية لتطوير التعليم الفني وربطه بالتخصصات الحديثة والشركاء الصناعيين.

كذلك جرى التوقف عند نظام التعليم المزدوج، الذي يقوم على الجمع بين الدراسة النظرية داخل المدرسة والتدريب العملي داخل منشأة إنتاجية أو شركة، وهو نموذج تدعمه جهات صناعية ومؤسسات تعاون دولي، من بينها GIZ، ويُنظم في مصر بقرارات وزارية وشراكات مع اتحادات الأعمال. ويعرض الاتحاد المصري للصناعات أن الطالب في هذا النظام يدرس يومين نظريًا ويتدرب أربعة أيام في جهة التدريب، بما يعزز صلته المباشرة ببيئة العمل قبل التخرج.

واحدة من النقاط اللافتة في الندوة كانت التأكيد على أن تطوير التعليم الفني يجب أن يبدأ من تحليل السوق لا من تكرار مناهج قديمة. فالمهن تتغير بسرعة، ومعها تتبدل المهارات المطلوبة. وهذا التصور يتوافق مع توجهات رسمية معلنة نحو تحديث المناهج، والتوسع في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وربط التدريب بسوق العمل المحلي والدولي.

لماذا تحتاج السينما المصرية هذا المسار؟

أهمية الندوة بالنسبة لقسم السينما المصرية لا تأتي من بعدها التعليمي فقط، بل من صلتها المباشرة بسلسلة المهن التي تقوم عليها الصناعة. فالفيلم لا يصنعه المخرج والممثلون وحدهم، بل شبكة واسعة من الفنيين والمتخصصين: كهرباء، إضاءة، صوت، مونتاج، ملابس، إكسسوارات، ديكور، تجميل، ومؤثرات خاصة. وكلما كانت هذه الحلقات مدعومة بتعليم وتدريب حقيقيين، ارتفعت جودة المنتج النهائي وقلت الفجوة بين الدراسة وسوق العمل.

هذا التصور يبدو منطقيًا للغاية في مصر، خصوصًا مع تزايد الحاجة إلى كوادر تنفيذية محترفة في مجالات الإنتاج والتصوير والخدمات الفنية المصاحبة. كما أن تحويل بعض هذه المهارات إلى مسارات تعليمية واضحة قد يمنح الصناعة قاعدة أوسع من الكفاءات الشابة، بدل الاعتماد فقط على التعلم غير الرسمي أو الخبرة المتوارثة داخل مواقع التصوير. الندوة أشارت بوضوح إلى أن الشراكات بين شركات الإنتاج ووزارة التربية والتعليم يمكن أن تفتح بابًا لتدريب الطلاب داخل بيئات عمل حقيقية، وهو ما قد يكون أحد أكثر الحلول واقعية إذا أُريد لهذا الربط أن ينتقل من النقاش إلى التنفيذ.

ميدفست كمنصة أوسع من المهرجان التقليدي

اللافت أن هذه الندوة تأتي في توقيت يواصل فيه ميدفست تثبيت صورته كمهرجان ذي وظيفة ثقافية وتعليمية ممتدة. فالدورة الثامنة، التي افتُتحت في 10 سبتمبر 2026، لا تكتفي بعروض الأفلام، بل تطرح أيضًا برامج خاصة مثل تحدي صناعة فيلم في 72 ساعة، ومشروعات تدريبية للأطفال، وعروضًا وورشًا تناقش العلاقة بين الفن والصحة النفسية والإنسانية. كما يشير الموقع الرسمي للمهرجان إلى أن أنشطته على مدار العام تشمل عروضًا مجتمعية وبرامج تدريب واحتضان للمواهب.

ومن هذه الزاوية، تبدو مناقشة ربط التعليم الفني بصناعة السينما امتدادًا طبيعيًا لشعار «بره المشهد». فالمهرجان هنا لا يسأل فقط: ما الفيلم الذي نشاهده؟ بل يسأل أيضًا: من الذي يملك المهارة لصنعه؟ وكيف نؤهل هذا الشخص؟ وكيف نمنح الأسر والطلاب في مصر صورة جديدة عن قيمة “الصنعة” داخل المجال الإبداعي؟

خلاصة المشهد

الندوة التي استضافها ميدفست مصر تطرح سؤالًا يتجاوز الحدث نفسه: هل يمكن للسينما المصرية أن تصبح شريكًا فعليًا في إعادة الاعتبار للتعليم الفني؟ المؤشرات التي طُرحت خلال النقاش تقول إن الإجابة ممكنة، بشرط وجود مناهج مرنة، تدريب فعلي داخل مواقع العمل، وشراكات مؤسسية تربط المدرسة بالاستوديو وبسوق الإنتاج. وبينما تتوسع الدولة في نماذج مثل مدارس التكنولوجيا التطبيقية والتعليم المزدوج، يبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذا التوسع إلى فرص مهنية واضحة يراها الطالب والأسرة على الأرض، لا في الخطاب فقط. وعندها فقط قد تتحول «الصنعة» من وصمة اجتماعية قديمة إلى عنوان جديد لقوة السينما المصرية من وراء الكاميرا.