نبيلة عبيد تستعيد كواليس «المرأة والساطور» بعد 29 عامًا
نبيلة عبيد تعيد قراءة «المرأة والساطور» من داخل التجربة
عاد فيلم «المرأة والساطور» إلى الواجهة من جديد بعد تصريحات الفنانة نبيلة عبيد خلال ندوة تكريم أُقيمت يوم 8 سبتمبر 2026، حيث استرجعت كواليس العمل الذي يُعد من أبرز محطاتها في السينما المصرية. الحديث هذه المرة لم يقتصر على الذكريات، بل كشف جانبًا مهمًا من طريقة بناء الأداء في فيلم يقوم أساسًا على التوتر النفسي، والانهيار الداخلي، وتصاعد العنف داخل الحكاية.
وبحسب ما أكدته نبيلة عبيد، فإن مشاهد الفيلم، خصوصًا لحظات الاعتراف والعنف، احتاجت منها إلى تحضير نفسي شاق، إلى درجة العزلة التامة لعدة أيام قبل التصوير. كما أشارت إلى أن الفنان الراحل أبو بكر عزت كان ينزعج أحيانًا من قوة الضرب في بعض المشاهد، وكان يعلق مازحًا بأنها تضرب بجد، وهو تفصيل يبدو بسيطًا، لكنه يكشف حجم الاندماج المطلوب في عمل من هذا النوع.
فيلم صادم في سياقه.. ولماذا ظل حاضرًا؟
عُرض «المرأة والساطور» في مصر يوم 28 يوليو 1997، وهو من إخراج وتأليف سعيد مرزوق، وبطولة نبيلة عبيد وأبو بكر عزت، مع مشاركة ماجد المصري ودنيا عبد العزيز. وتُقدَّم حكاية الفيلم باعتبارها مستندة إلى قصة حقيقية، وهو ما منحها منذ البداية ثقلًا إضافيًا لدى الجمهور، خصوصًا أن المعالجة السينمائية لم تعتمد فقط على عنصر الجريمة، بل ذهبت إلى تفكيك علاقة سامة مبنية على الخداع والاستغلال والعنف.
في بنية الفيلم، لا تظهر البطلة كضحية تقليدية ولا كبطلة انتقامية مكتملة الملامح، بل كشخصية تُدفع تدريجيًا إلى حافة الانفجار. هذه المنطقة الرمادية هي أحد أسباب بقاء الفيلم في الذاكرة؛ لأنه لا يكتفي بإدانة فرد، بل يضع المشاهد أمام سؤال أخلاقي شائك: ماذا يحدث حين يصبح الخلاص نفسه فعلًا دمويًا؟
أداء نبيلة عبيد.. بين النجومية والانكسار
ما منح الفيلم قوته الحقيقية هو أن نبيلة عبيد لم تتعامل معه كعمل قائم على الإثارة فقط، بل كمساحة أداء تحتاج إلى ضبط داخلي شديد. تصريحاتها الأخيرة أعادت الانتباه إلى هذا الجانب، خاصة حين تحدثت عن حالة «الانفصال عن النفس» التي دخلتها أثناء تصوير بعض المشاهد. هذا النوع من الأداء يفسر لماذا جاء حضور الشخصية متوترًا ومشحونًا، لا باعتباره انفعالًا لحظيًا، بل تراكمًا نفسيًا محسوسًا على الشاشة.
ومن اللافت أيضًا حديثها عن التزامها برؤية المخرج البصرية، موضحة أن سعيد مرزوق كان مهتمًا بدلالات اللونين الأحمر والأسود، وهو ما انعكس على بعض اختيارات الملابس في مشاهد التحقيق والاعتراف. هذه التفاصيل لا تبدو هامشية عند مراجعة الفيلم اليوم؛ لأنها توضح أن التكوين البصري لم يكن منفصلًا عن الحالة النفسية، بل جزءًا من بنائها.
مشهد الاعتراف.. لحظة ذروة لا تعتمد على الحوار وحده
من بين أكثر ما توقف عنده الجمهور قديمًا وحديثًا مشهد الاعتراف، ليس فقط بسبب الجملة الشهيرة المرتبطة به، ولكن لأن المشهد كله مبني على توتر جسدي ونظرات وارتباك داخلي يسبق الكلام. وعندما تكشف نبيلة عبيد اليوم أنها احتاجت إلى ثلاثة أيام من التحضير النفسي لهذا المقطع، يصبح من الأسهل فهم سبب بقاء هذا المشهد واحدًا من العلامات الأساسية في الفيلم.
اللافت هنا أن الفيلم لا يطلب من المشاهد التعاطف السهل، بل يضعه في منطقة قلق مستمرة. وهذا بالضبط ما يجعل أداء نبيلة عبيد مختلفًا في هذا العمل عن عدد كبير من أدوارها المعروفة القائمة على الحضور الطاغي أو الإغواء أو القوة الصريحة؛ ففي «المرأة والساطور» تبدو النجمة وكأنها تتنازل عمدًا عن بريقها لمصلحة هشاشة الشخصية.
أبو بكر عزت.. خصم تمثيلي منح الفيلم ثقله
لا يمكن مراجعة الفيلم من دون التوقف أمام أداء أبو بكر عزت. الشخصية التي قدمها ليست شريرًا كاريكاتيريًا، بل رجلًا مراوغًا يتلون اجتماعيًا ونفسيًا، ويعرف كيف يصنع الثقة قبل أن يهدمها. هذه المساحة المركبة هي التي جعلت الصدام بينه وبين نبيلة عبيد مقنعًا ومزعجًا في الوقت نفسه.
وتُسجل بيانات الفيلم أن أبو بكر عزت نال جائزة أحسن ممثل عن دوره في العمل ضمن مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 1996، وهي ملاحظة مهمة لأنها تؤكد أن التقدير النقدي لأدائه سبق عرض الفيلم التجاري في صيف 1997. لذلك فإن استعادة نبيلة عبيد اليوم لكواليس المشاهد المشتركة بينهما لا تبدو مجرد حنين، بل تذكير بقيمة شراكة تمثيلية صنعت أحد أكثر أفلام التسعينيات قسوة.
سعيد مرزوق وصناعة المناخ الخانق
اسم سعيد مرزوق يبقى عنصرًا حاسمًا في أي قراءة جادة للفيلم. المخرج الذي قدّم عددًا من الأعمال المهمة في السينما المصرية اعتمد هنا على مناخ بصري ونفسي خانق، يزداد إحكامًا كلما تقدمت الأحداث. ووفق ما روته نبيلة عبيد، فإن التصوير في الإسكندرية خلال الشتاء وتحت الأمطار والبرد شكّل عبئًا حقيقيًا عليها، وهو ما يمكن تلمسه فعلًا في الإحساس القاسي الذي تنقله بعض المشاهد الخارجية.
كما كشفت عن واقعة مرتبطة بأحد مشاهد التحقيق، حين سقط الشال عن كتفها فأعاده ماجد المصري بدافع تلقائي، ما أدى إلى كسر الإيقاع الداخلي للمشهد واضطرار الفريق إلى إعادته. هذه الحكاية الصغيرة تكشف شيئًا مهمًا عن دقة سعيد مرزوق في إدارة الأداء، وحرصه على ألا يتدخل أي فعل غير محسوب في صدق اللحظة الدرامية.
كيف يُشاهَد الفيلم اليوم؟
بعد ما يقرب من 29 عامًا على عرضه، لا يبدو «المرأة والساطور» مجرد فيلم جريمة أو قضية رأي عام، بل عملًا يمكن قراءته ضمن أفلام مصرية ناقشت العنف الأسري والهيمنة الذكورية والاستغلال النفسي عبر قالب ميلودرامي داكن. وربما لهذا السبب يستمر حضوره كلما عاد الحديث عن الأدوار المفصلية في مشوار نبيلة عبيد.
اللافت أيضًا أن نبيلة عبيد لا تزال حاضرة في المشهد الثقافي والفني المصري، ومع استعادة هذا الفيلم تحديدًا، يتجدد النقاش حول مرحلة كانت فيها السينما التجارية المصرية قادرة على الجمع بين النجومية والرهان الموضوعي الجاد. ومن هنا تأتي قيمة هذه التصريحات الجديدة: فهي لا تمنحنا كواليس طريفة فحسب، بل تدفعنا إلى إعادة مشاهدة الفيلم باعتباره نصًا بصريًا ونفسيًا ما زال قادرًا على إزعاج المتفرج، وربما لهذا السبب بالذات ما زال حيًا.
لماذا يستحق «المرأة والساطور» مراجعة جديدة؟
- لأنه يقدم واحدة من أكثر شخصيات نبيلة عبيد تعقيدًا وانكسارًا.
- لأن أداء أبو بكر عزت فيه يظل من أبرز أدواره السينمائية المتأخرة.
- لأن سعيد مرزوق صاغ مناخًا بصريًا يخدم التوتر النفسي لا الإثارة السطحية.
- ولأن الفيلم يعكس جانبًا مهمًا من سينما التسعينيات المصرية حين كانت النجومية تلتقي بالموضوعات القاسية.
في المحصلة، فإن استعادة نبيلة عبيد لهذا العمل اليوم لا تُقرأ بوصفها خبرًا عابرًا، بل كدعوة صريحة لإعادة تقييم فيلم بقي طويلًا في منطقة بين النجاح الجماهيري والصدمة النقدية. وإذا كان كثير من أفلام تلك الحقبة فقد بريقه مع الزمن، فإن «المرأة والساطور» لا يزال قادرًا على فرض حضوره، بفضل ممثلين في قمة التركيز، ومخرج عرف كيف يحول الجريمة إلى مرآة نفسية واجتماعية شديدة القسوة.