نعومي واتس: هوليوود تغيّرت أخيرًا مع النساء فوق الخمسين
نعومي واتس تربط تكريمها في سان سيباستيان بتحوّل ملحوظ في صورة المرأة الأكبر سنًا على الشاشة
جاء حضور الممثلة البريطانية نعومي واتس في مهرجان سان سيباستيان السينمائي هذا العام محمّلًا بدلالة تتجاوز مجرد التكريم. فالفنانة التي تستعد لتسلّم جائزة دونوستيا، وهي من أبرز الجوائز الفخرية في المهرجان الإسباني والمخصصة للاحتفاء بالمساهمات الاستثنائية في عالم السينما، استغلت المناسبة للحديث عن ملف حساس داخل الصناعة: فرص الممثلات بعد سن الخمسين، وكيف بدأت المعايير القديمة في التراجع تدريجيًا.
تصريحات واتس جاءت في توقيت لافت، لأن النقاش حول أدوار النساء الأكبر سنًا لم يعد هامشيًا كما كان قبل سنوات. وفي حديثها، أشارت إلى أن المشهد يبدو أكثر تشجيعًا الآن، مستشهدة بصورة عامة بما كشفته ترشيحات وجوائز موسم الإيمي الأخير من حضور قوي لممثلات مخضرمات في أدوار رئيسية ومؤثرة، وهو ما منح حديثها وزنًا يتجاوز الانطباع الشخصي إلى قراءة أوسع لحال الصناعة.
تكريم رسمي في مهرجان له ثقل سينمائي
بحسب الموقع الرسمي لمهرجان سان سيباستيان، ستتسلّم واتس الجائزة يوم 19 سبتمبر 2026 في حفل يقام في كورسال، على أن يتبع التكريم عرض فيلم The Housewife، وهو أول تجربة إخراجية للكندي بن شيرينيان. ويُعد هذا التكريم استمرارًا لتقليد بدأه المهرجان منذ عام 1986 للاحتفاء بالأسماء التي تركت أثرًا طويل المدى في السينما العالمية.
اختيار نعومي واتس لهذه الجائزة يبدو منطقيًا إذا نظرنا إلى مسارها: ممثلة تنقلت بين السينما المستقلة والإنتاجات الكبرى، وراكمت أدوارًا بارزة منذ Mulholland Drive، وصولًا إلى 21 Grams وThe Impossible، وهو الفيلم الذي نالت عنه ترشيحًا لجوائز الأوسكار. كما يؤكد مهرجان سان سيباستيان نفسه أن واتس بنت مسيرة تجمع بين أفلام المؤلف والسينما الجماهيرية، وهي نقطة مهمة في تقييم نجومية ممثلة حافظت على حضورها في أكثر من نوع سينمائي.
ما الذي تقصده واتس بتغيّر المعايير؟
الفكرة الأساسية في كلام واتس لا تتعلق فقط بزيادة عدد الأدوار، بل بتغيّر نوعية الأدوار المعروضة على النساء بعد الخمسين. فبدل اختزالهن في شخصيات ثانوية أو نماذج نمطية، بات هناك ميل أكبر إلى منحهن مساحات أكثر تعقيدًا نفسيًا ودراميًا، سواء في السينما أو عبر الأعمال التلفزيونية ذات الجودة الإنتاجية المرتفعة.
ومن السهل فهم خلفية هذا الرأي إذا نظرنا إلى نتائج جوائز الإيمي الـ76 التي أُعلنت في 15 سبتمبر 2024. فقد شهد الموسم حضور أسماء مخضرمة في فئات التمثيل، من بينها جين سمارت التي واصلت نجاحها عن Hacks، وجودي فوستر التي عادت بقوة إلى دائرة الجوائز عن True Detective: Night Country. كما ضمت قوائم الترشيحات أسماء مثل ميريل ستريب وكارول بورنيت ودايان لاين، وهو ما يعكس أن الصناعة باتت أكثر استعدادًا للاحتفاء بنجمات لا تنطبق عليهن معايير الشباب التقليدية التي كانت تهيمن طويلًا على التسويق والاختيار.
بالنسبة للقارئ المصري المتابع للسينما العالمية، فإن هذه النقطة مهمة لأن التحول لا يخص هوليوود وحدها، بل يفتح نقاشًا أوسع حول كيفية كتابة الشخصيات النسائية في منتصف العمر وما بعده، وهل تمنحها السينما حقًا العمق نفسه الذي تمنحه للرجال في المرحلة العمرية ذاتها.
واتس نفسها مثال حي على هذا التحول
الأمر لا يتوقف عند التنظير. نعومي واتس نفسها قدّمت في السنوات الأخيرة نموذجًا لهذا التحول عبر اختياراتها. ففي مسلسل Feud: Capote vs. The Swans من FX، لعبت دور بيب بايلي، وظهر اسمها أيضًا ضمن طاقم العمل التنفيذي للمشروع، في إشارة إلى مساحة نفوذ أوسع من مجرد التمثيل. العمل ضم كذلك ممثلين مثل توم هولاندر ودايان لاين وكلوي سيفيني، وقدم عالمًا دراميًا قائمًا على شخصيات ناضجة تقود الحكاية بدل أن تدور على هامشها.
هذا النوع من الأعمال يوضح لماذا تبدو ملاحظة واتس واقعية وليست تفاؤلًا مجانيًا. فالممثلة البريطانية نعومي واتس (@naomiwatts على إنستغرام) لم تعد تُقرأ داخل الصناعة فقط بوصفها نجمة ارتبط اسمها بأفلام بداية الألفية، بل بوصفها فنانة لا تزال قادرة على حمل مشروع درامي معقد، وعلى التحرك بين السينما والمنصات من دون أن تفقد مكانتها.
من سان سيباستيان إلى موسم الجوائز: لماذا تبدو اللحظة مختلفة؟
عادةً ما تتحول المهرجانات الكبرى إلى منصات لإعادة تقييم المسيرات الفنية، لكن حالة واتس تبدو أعمق من استرجاع الماضي. فتكريمها في سان سيباستيان يأتي بينما لا تزال حاضرة في مشاريع جديدة، لا كنجمة تكريم أرشيفي فقط. وهذا فارق أساسي: الجائزة هنا لا تبدو بمثابة خاتمة، بل اعترافًا بمسيرة لا تزال تتوسع.
كما أن جائزة دونوستيا نفسها تحمل قيمة رمزية كبيرة؛ فقد مُنحت في السنوات الأخيرة لأسماء مثل كيت بلانشيت وجنيفر لورانس، بينما يصفها المهرجان بأنها تقدير للمساهمة الاستثنائية في عالم السينما. إدراج واتس ضمن هذه السلسلة يعزز فكرة أن مكانتها لم تعد محل نقاش، وأن حضورها الفني يُقرأ اليوم من زاوية الإنجاز والاستمرارية معًا.
كيف ينعكس هذا على قراءة أفلام الممثلات المخضرمات؟
في قسم مثل مراجعات الأفلام، لا تكمن أهمية الخبر في طابعه الاحتفالي فقط، بل في ما يقوله عن اتجاهات الصناعة نفسها. عندما تتحدث ممثلة بحجم واتس عن تغيّر المعايير، فهي في الواقع تدعو النقاد والجمهور إلى إعادة النظر في الطريقة التي يتم بها تقييم الأفلام التي تقودها نساء أكبر سنًا. لم يعد السؤال: هل تستطيع هذه الممثلة حمل البطولة؟ بل: ما نوع القصص التي يمكن أن تُبنى حولها عندما تتوقف الصناعة عن معاملتها كاستثناء؟
وهنا بالضبط تصبح أمثلة مثل Feud: Capote vs. The Swans أو نجاحات موسم الإيمي ذات دلالة مضاعفة. فهي لا تشير فقط إلى عودة أسماء كبيرة، بل إلى تحسن في الكتابة والإنتاج والرهان التسويقي على شخصيات نسائية أكثر نضجًا وتعقيدًا. وحتى عندما يظل التلفزيون أكثر جرأة من السينما أحيانًا في هذا الباب، فإن أثره ينتقل سريعًا إلى سوق الأفلام، سواء عبر التمويل أو التوزيع أو حسابات النجومية.
- جائزة دونوستيا: تكريم يمنحه مهرجان سان سيباستيان منذ 1986 للمساهمات البارزة في السينما.
- موعد تكريم واتس: 19 سبتمبر 2026 في مسرح كورسال، يعقبه عرض The Housewife.
- أحدث حضور بارز لها: دور بيب بايلي في Feud: Capote vs. The Swans.
- مؤشر داعم لرأيها: موسم الإيمي 2024 شهد حضورًا قويًا لممثلات مخضرمات في الفئات الرئيسية.
الخلاصة
حديث نعومي واتس ليس مجرد تعليق عابر في مؤتمر صحفي بمهرجان أوروبي، بل إشارة ذكية إلى أن الصناعة التي همّشت طويلًا النساء بعد سن معينة بدأت، ولو ببطء، في تعديل بوصلتها. تكريمها في سان سيباستيان يمنح هذا الرأي خلفية رمزية قوية، بينما تؤكد الأمثلة الحديثة من الأعمال الدرامية وموسم الجوائز أن التغيير لم يعد نظريًا تمامًا. بالنسبة لعشاق السينما في مصر، فالمتابعة هنا لا تتعلق فقط باسم نجمة كبيرة، بل بسؤال أوسع يخص شكل البطولة النسائية في السنوات المقبلة، وما إذا كانت الشاشة ستصبح أخيرًا أكثر عدلًا مع العمر والخبرة.