Filmatology

«نيكاب» يفتح الأبواب لوايلدكارد في السينما الأوروبية

من فيلم متمرد إلى بطاقة عبور أوروبية

في سوق السينما المستقلة، نادرًا ما تحصل شركة إنتاج أو توزيع على انطلاقة أولى تحدث هذا القدر من الصدى. لكن هذا بالضبط ما حققته شركة Wildcard الأيرلندية مع فيلم Kneecap، العمل الروائي الطويل الأول للمخرج والكاتب ريتش بيبيات. الفيلم، الذي يستلهم قصة فرقة الراب الأيرلندية الشمالية الشهيرة التي تحمل الاسم نفسه، خرج من إطار السيرة التقليدية ليقدم مزيجًا من الكوميديا والفوضى السياسية والطاقة الموسيقية الجامحة، وهو ما جعله واحدًا من أكثر الأفلام الأوروبية لفتًا للانتباه في دورته. وفق البيانات الرسمية، أدى أعضاء الفرقة أدوارهم بأنفسهم، بينما شارك في البطولة أيضًا مايكل فاسبندر، وتدور الأحداث في بلفاست حول صعود ثلاثي غنائي يستخدم اللغة الأيرلندية بوصفها أداة تمرد وهوية ثقافية في آن واحد.

أهمية هذا النجاح لا ترتبط بالفيلم وحده، بل بموقعه داخل مسار Wildcard نفسها. الشركة المرتبطة باسم المنتج الأيرلندي باتريك أونيل كانت معروفة أساسًا في التوزيع داخل السوق الأيرلندية، قبل أن يعزز Kneecap حضورها كطرف منتج أيضًا. وقد أكدت هيئة Screen Ireland رسميًا أن أونيل شارك كمنتج عن Wildcard إلى جانب جاك تارلينج وتريفور بيرني، في مشروع حظي بدعم من Screen Ireland وBFI وTG4 وNorthern Ireland Screen وجهات أخرى.

لماذا حظي «Kneecap» بكل هذا الاهتمام؟

من منظور نقدي، سر قوة الفيلم أنه لا يتعامل مع السياسة بوصفها خطابًا ثقيلًا، بل يحولها إلى إيقاع سينمائي سريع، ساخر، ومشبع بروح الشارع. المادة نفسها تحمل قابلية كبيرة للانتشار: فرقة حقيقية من بلفاست، لغة أيرلندية في قلب موسيقى الهيب هوب، وحكاية تصعد من الهامش إلى المشهد العام. هذه العناصر منحت الفيلم شخصية مختلفة عن السائد في أفلام السيرة الموسيقية، خصوصًا أنه لا يلمع أبطاله بقدر ما يترك تناقضاتهم وفوضاهم على الشاشة.

النتائج جاءت واضحة على مستوى الجوائز والانتشار. فقد ذكرت Screen Ireland أن الفيلم فاز بجائزة BAFTA لأفضل عمل أول متميز لكاتب أو مخرج أو منتج بريطاني، بعدما حصد 6 ترشيحات في جوائز الأكاديمية البريطانية، كما أصبح أول فيلم باللغة الأيرلندية يفوز بجائزة الجمهور في قسم NEXT بمهرجان Sundance. وفي أيرلندا، واصل حضوره بوصفه واحدًا من أبرز الأفلام المحلية التي عبرت إلى دائرة اهتمام دولية أوسع.

قراءة نقدية سريعة

إذا نظرنا إلى Kneecap من زاوية قسم مراجعات الأفلام، فالفيلم ينجح لأنه لا يقدم «قضية» فقط، بل يقدم سينما حية. الأداءات غير المصقولة بالكامل تخدم روح العمل، والموسيقى ليست خلفية بل محرك درامي، أما السرد فيعتمد على نبرة متمردة تناسب عالم أبطاله. لهذا بدا الفيلم أقرب إلى تجربة مشاهدة صاخبة ومباشرة، لا إلى سيرة تقليدية مرتبة بعناية زائدة. بالنسبة للقارئ المصري، يمكن تشبيه جاذبيته بأفلام الموسيقى التي تربط الهوية المحلية بطاقة شبابية صدامية؛ أي أن خصوصيته الأيرلندية هي نفسها ما يمنحه بعدًا عالميًا.

Wildcard: من التوزيع المحلي إلى الطموح العابر للحدود

صعود Wildcard يستحق المتابعة لأنه يكشف كيف يمكن لشركة صغيرة نسبيًا أن تتحول إلى لاعب مؤثر إذا التقطت مشروعًا يملك صوتًا خاصًا. تقارير الصناعة كانت قد أشارت قبل ذلك إلى أن الشركة شاركت في شراء حقوق Kneecap مسبقًا مع Curzon للمملكة المتحدة، وتولت إطلاقه في أيرلندا كلها، وهو ما يعكس نموذجًا يجمع بين التوزيع والإنتاج في وقت واحد. هذا النوع من المرونة مهم جدًا في السينما الأوروبية المستقلة، حيث يتوقف نجاح الفيلم غالبًا على الشراكات الذكية بقدر توقفه على الجودة الفنية.

ومن هنا يصبح من المنطقي أن يتحول اسم الشركة إلى «ورقة رابحة» داخل السوق الأوروبية، خاصة بعدما أثبتت أن مشروعًا محليًا جدًا من حيث اللغة والخلفية يمكن أن يصل إلى جمهور دولي واسع. في زمن المنصات وتبدل خرائط التوزيع، هذا النوع من النجاحات يلفت المنتجين والمخرجين الباحثين عن شركاء قادرين على مرافقة الأفلام من التطوير حتى المهرجانات ثم العروض التجارية.

ما علاقة كارلوفي فاري وميا هانسن-لوف؟

الحديث عن امتداد Wildcard إلى ما بعد Kneecap يكتسب أهمية إضافية مع حضورها في محيط سينمائي أوروبي أرحب، من مهرجان كارلوفي فاري الدولي الذي تقام دورته الستون بين 3 و11 يوليو 2026، إلى الارتباط بمشاريع لمخرجين أصحاب توقيع معروف. المهرجان التشيكي ظل محطة مهمة لاكتشاف الأفلام الفنية وصناعها، ولذلك فإن أي شركة تخرج من نجاح محلي إلى شبكة علاقات تمتد نحو هذا النوع من المنصات تكون عمليًا قد دخلت مستوى جديدًا من الحضور الأوروبي.

وفي السياق نفسه، يلفت الانتباه اسم المخرجة الفرنسية ميا هانسن-لوف، صاحبة One Fine Morning وBergman Island. ووفق الصفحة الرسمية لشركة Les Films Pelléas، فإن مشروعها المقبل يحمل عنوان If Love Should Die، ويروي سيرة الكاتبة والفيلسوفة الإنجليزية ماري وولستونكرافت، مع خطط تصوير في المملكة المتحدة وفرنسا واسكندنافيا والبرتغال. هذه المعلومة وحدها كافية لتوضيح أن الدائرة التي تتحرك فيها Wildcard باتت أقرب إلى فضاء السينما الفنية الأوروبية الرفيع، لا مجرد التوزيع المحلي داخل أيرلندا.

كيف يُقرأ هذا النجاح من زاوية الجمهور العربي؟

بالنسبة للمتابع في مصر والعالم العربي، تكمن جاذبية القصة في أنها تذكرنا بأن الأفلام الأكثر محلية ليست بالضرورة الأقل تصديرًا. على العكس، Kneecap يثبت أن الجرأة الأسلوبية والخصوصية الثقافية يمكن أن تتحولا إلى عنصر جذب عالمي. هذه نقطة مهمة في النقاش الدائم حول السينما المستقلة: هل الأفضل مطاردة الذوق الدولي، أم الانطلاق من بيئة محلية خالصة؟ تجربة الفيلم الأيرلندي ترجح الخيار الثاني بوضوح.

  • لغة الفيلم: الأيرلندية ليست تفصيلاً زخرفيًا، بل قلب المشروع.
  • نبرة العمل: كوميديا فوضوية ممزوجة بالهوية والسياسة والموسيقى.
  • الأثر الصناعي: نجاح فيلم واحد أعاد تعريف صورة شركة منتجة وموزعة.
  • القيمة النقدية: الفيلم يربح كعمل سينمائي، لا كقضية فقط.

الخلاصة

ما حققته Wildcard مع Kneecap ليس مجرد ضجة مهرجانية عابرة، بل تحول حقيقي في مكانة الشركة داخل خريطة الإنتاج الأوروبي المستقل. الفيلم منحها اعتمادًا نقديًا وصناعيًا بفضل فوزه في Sundance وBAFTA، وفتح لها الباب نحو تعاونات ومشاريع أكبر، في لحظة تبدو فيها السينما الأوروبية متعطشة لأصوات أكثر تمردًا وخصوصية. أما على مستوى التقييم الفني، فـKneecap يستحق المتابعة لأنه يذكرنا بأن أفضل أفلام السيرة ليست تلك التي تشرح أصحابها، بل تلك التي تتركهم ينفجرون على الشاشة بكل تناقضاتهم.