هلسنكي تراهن على موجة الرعب الإسكندنافية الجديدة
هلسنكي تفتح منصة جديدة لسينما النوع في الشمال الأوروبي
في وقت تتزايد فيه شهية السوق العالمية لأفلام الرعب والخيال العلمي والإثارة، تستضيف هلسنكي بين 23 و25 سبتمبر 2026 الدورة الخامسة عشرة من Finnish Film Affair، الذراع الصناعية التابعة لمهرجان هلسنكي السينمائي الدولي Love & Anarchy. الجديد هذا العام هو دخول Nordic Genre Lab إلى قلب البرنامج، في خطوة تعكس رهانا واضحا على تنامي سينما النوع في بلدان الشمال الأوروبي، من فنلندا إلى النرويج والسويد والدنمارك وجزر فارو.
هذا التوجه لا يبدو عابرا أو دعائيا فقط، بل يستند إلى بنية تطويرية فعلية. فمختبر Nordic Genre Lab أُطلق بوصفه برنامجا تدريبيا وتواصليا مخصصا لمشروعات الأفلام الروائية الطويلة قيد التطوير في مجالات الرعب والخيال العلمي والفانتازيا والأكشن والتشويق، مع اختيار ما بين 6 و8 فرق من المخرجين والمنتجين من مختلف أنحاء الشمال الأوروبي. ويقام المختبر بالتزامن مع فعاليات السوق في هلسنكي، متضمنا جلسات إرشاد، وتدريبا على تقديم المشاريع، وورش عمل، ومسابقة عرض أمام جهات صناعة دولية.
لماذا يهم هذا الحدث القارئ العربي؟
من زاوية المتابعة العربية والأفريقية لصناعة السينما، تبدو هذه التجربة لافتة لأنها تقدم نموذجا عمليا لكيفية تحويل أفلام النوع من هامش فني إلى قطاع قابل للتصدير والتمويل والبيع. هذا النوع من المختبرات قد يكون مهما لأسواق منطقتنا، بما فيها مصر، حيث يتجدد النقاش كل عام حول فرص الرعب والفانتازيا والإثارة خارج القوالب التجارية المعتادة. ما يحدث في هلسنكي اليوم يشير إلى أن السينما الإسكندنافية لا تكتفي بحصد الجوائز في الدراما الاجتماعية، بل تعمل أيضا على بناء علامة متماسكة في أفلام الرعب والبقاء والديستوبيا.
هانا بيرغهولم في الواجهة مع Nightborn
أبرز اسم يطفو على السطح في هذه الموجة هو المخرجة الفنلندية هانا بيرغهولم، التي يعود اسمها بقوة مع فيلم Nightborn. الفيلم، الذي تبلغ مدته 92 دقيقة، هو العمل الروائي الطويل الثاني لها بعد Hatching، وقد اختير للمسابقة الرسمية في مهرجان برلين 2026. تدور قصته حول زوجين ينتقلان إلى منزل معزول في الغابة الفنلندية أملا في تأسيس أسرة مثالية، لكن ولادة الطفل تحوّل الحلم إلى كابوس نفسي وجسدي تتصاعد حدته مع شعور الأم بأن هناك شيئا مرعبا يحيط بالمولود الجديد.
أهمية Nightborn لا ترتبط فقط بموقعه في موسم المهرجانات، بل أيضا بقدرته على تمثيل المزاج العام الذي يدفع سينما الرعب الفنلندية حاليا: مزج الأساطير والبيئة الطبيعية والقلق الأسري ضمن سرد بصري قابل للعبور دوليا. الفيلم من كتابة هانا بيرغهولم وإيلجا راوتسي، ويضم في بطولته Seidi Haarla وRupert Grint وPamela Tola وPirkko Saisio. كما تشير قواعد بيانات الصناعة إلى أنه إنتاج مشترك بين فنلندا وليتوانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، بينما تتولى شركة Goodfellas مبيعاته الدولية.
وتعزز مكانة الفيلم تجاريا حقيقة وصوله إلى منصة Shudder، المتخصصة في الرعب والإثارة وما وراء الطبيعي، وهي منصة باتت خلال السنوات الأخيرة نافذة أساسية لوصول هذا النوع من الأعمال الأوروبية إلى جمهور عالمي أوسع.
إيلجا راوتسي بين الكتابة والإخراج
الاسم الثاني المهم في المشهد هو إيلجا راوتسي، الذي لا يظهر فقط شريكا في كتابة Nightborn، بل يقف أيضا خلف فيلم Red Snow مخرجا وكاتبا. العمل إنتاج 2026 مشترك بين فنلندا وإستونيا والسويد، ومن بطولة أسماء بينها Hannu-Pekka Björkman وKrista Kosonen وTommi Korpela. وتدور حكايته حول مراهقة فنلندية تصطدم عشية عيد الميلاد بمصاص دماء بعيد تماما عن صورة الأمير الرومانسي، لتدخل في ليلة دموية تمزج السخرية السوداء بنقد الذكورية السامة والعنف الأسري. وقد سُجلت له عرض أول عالمي في قسم Horror Competition بمهرجان Fantastic Fest في أوستن خلال سبتمبر 2026.
هذا الحضور المزدوج لراوتسي يوضح لماذا تتعامل الصناعة مع فنلندا باعتبارها واحدة من أكثر البيئات خصوبة في تطوير كتاب ومخرجين قادرين على التحرك بين السيناريو والإخراج وبناء عوالم نوعية قابلة للتسويق. وهي نقطة جوهرية في فهم عبارة أن قاعدة المواهب الإسكندنافية “عميقة” فعلا، لا مجرد عنوان صحفي جذاب.
ثمانية مشاريع تؤكد اتساع الخيال الإسكندنافي
الدفعة الأولى من Nordic Genre Lab تضم ثمانية مشاريع تمثل طيفا واسعا من المقاربات. من بين هذه المشاريع يبرز Alma من فنلندا، من إخراج Pete Riski وكتابة Ilja Rautsi، وتدور فكرته حول مراهقة تنجذب إلى مواجهة قاتلة بين ماضٍ ذي قدرات خارقة وكيان مرعب تولد عنه. كما يحضر المشروع النرويجي Long Way Home كفيلم طريق ديستوبي عن انهيار الكهرباء في غرب النرويج ورحلة خطرة عبر طبيعة متجمدة ومنفلتة.
الاختيارات تمتد أيضا إلى الرعب النفسي المتحرك في Echo Chamber، وإلى كوميديا سوداء سياسية فنلندية بعنوان Sauna Diplomacy، إضافة إلى Trespassers من السويد، وWhistler من جزر فارو، وهو مشروع رعب بقاء يدور في طبيعة قاسية ومعزولة. هذه التوليفة توضح أن الرهان ليس على قالب واحد، بل على استثمار الهوية الجغرافية والثقافية للشمال الأوروبي في بناء أنواع متعددة يمكن أن تجد جمهورا في المهرجانات والمنصات معا.
- عدد المشاريع المختارة: 8 مشاريع
- موعد المختبر: 24 و25 سبتمبر 2026 ضمن Finnish Film Affair
- المجالات: الرعب، الخيال العلمي، الفانتازيا، الإثارة، وأفلام البقاء
- النطاق الجغرافي: فنلندا، النرويج، السويد، الدنمارك، وجزر فارو
ما الذي تقوله هلسنكي عن مستقبل السينما الإقليمية؟
بعيدا عن التغطية الأوروبية المباشرة، يمكن قراءة ما يجري في هلسنكي كإشارة إلى أن المهرجانات والأسواق لم تعد تفصل بين “السينما الفنية” و“السينما الجماهيرية” بالطريقة القديمة. أفلام الرعب والديستوبيا اليوم تدخل المسابقات الكبرى، وتتحول إلى منتجات تصدير ثقافي، وتفتح فرصا حقيقية أمام المواهب الجديدة. فنلندا تحديدا تبدو مستفيدة من هذا التحول عبر مؤسساتها وشركاتها المنتجة وشبكات التطوير المرتبطة بالمهرجانات.
وبالنسبة للمتابع المصري والعربي، فإن صعود هذه الموجة يستحق الانتباه، ليس فقط لأن الرعب الإسكندنافي صار أكثر حضورا على المنصات الدولية، بل لأن بنيته الإنتاجية تقدم درسا مهما: كيف يمكن للهوية المحلية، والطبيعة القاسية، والقلق الاجتماعي، أن تتحول إلى لغة سينمائية عالمية. من هذه الزاوية، لا تبدو هلسنكي هذا الأسبوع مجرد محطة مهرجانية، بل مختبرا فعليا لمستقبل سينما النوع في أوروبا الشمالية، وربما نموذجا ملهمًا لأسواق أخرى تبحث عن صوتها الخاص داخل الخريطة العالمية.