هل تصبح «سينما الشعب» قصة صيف السينما المصرية؟
«سينما الشعب» بين الشعار والاختبار الحقيقي
منذ انطلاق مشروع «سينما الشعب» في مايو 2022، والرهان الأساسي واضح: إعادة مشاهدة الفيلم المصري إلى جمهور أوسع خارج منطق الأسعار التجارية المرتفعة، وبالاستناد إلى شبكة قصور ومراكز الثقافة التابعة للدولة. لكن صيف 2026 يبدو مختلفًا هذه المرة؛ لأن الحديث لم يعد فقط عن استمرار المبادرة، بل عن توسع جديد أعلنته وزارة الثقافة يشمل قصر ثقافة المنصورة وقصر ثقافة حلوان ومسرح فوزي فوزي في أسوان وقصر ثقافة الغردقة، إضافة إلى مسرح 15 مايو. هذا التوسع جاء ضمن خطة وصفتها الوزارة بأنها جزء من تحقيق العدالة الثقافية والوصول إلى مدن ومحافظات جديدة.
بحسب ما نُشر في 11 مايو 2026، قال الفنان تامر عبدالمنعم، وكيل وزارة الثقافة والمدير التنفيذي للمشروع، إن المرحلة المقبلة ستشهد افتتاح هذه الفروع الجديدة، مع التأكيد على أن المشروع يتحرك وفق توجيهات الوزيرة الدكتورة جيهان زكي لتوسيع نطاق الخدمة السينمائية في المحافظات. اللافت هنا أن التوسع لم يبق في حدود الإعلان؛ إذ تحولت بعض هذه النقاط سريعًا إلى واقع على الأرض، وفي مقدمتها حلوان والغردقة.
ما الذي تغيّر فعليًا في صيف 2026؟
خلال موسم عيد الأضحى 2026، أعلنت الهيئة العامة لقصور الثقافة أن عروض «سينما الشعب» قُدمت في 21 موقعًا ثقافيًا داخل 17 محافظة، يوميًا من العاشرة صباحًا حتى الثانية عشرة منتصف الليل، مع تثبيت سعر التذكرة عند 40 جنيهًا. والأهم أن الهيئة أوضحت أن العروض قُدمت للمرة الأولى في قصري ثقافة حلوان والغردقة، وهو ما يعني أن جزءًا أساسيًا من خطة التوسع انتقل من مرحلة التصريح إلى مرحلة التشغيل الفعلي.
هذه النقطة بالذات هي ما يجعل السؤال مشروعًا: هل يمكن أن تصبح «سينما الشعب» قصة الصيف الحقيقية للسينما المصرية؟ لأن ما يحدث هنا ليس خبرًا عن فيلم بعينه أو نجم بعينه، بل تحول في خريطة التوزيع والمشاهدة، خصوصًا في مدن لا تحظى دائمًا بنفس كثافة الشاشات التجارية الموجودة في القاهرة الكبرى أو الإسكندرية.
الغردقة تقدم المثال الأوضح
إذا كان لا بد من اختيار مدينة واحدة تلخص الفكرة، فستكون الغردقة. فبحسب تغطية بوابة الأهرام في 28 مايو 2026، انطلقت أول عروض «سينما الشعب» في قصر ثقافة الغردقة بعد افتتاحه، واحتضن العرض الأول فيلم 7 Dogs بطولة كريم عبدالعزيز وأحمد عز ومونيكا بيلوتشي. والأكثر دلالة أن الافتتاح شهد بيع نحو 800 تذكرة في أول ليلة، وهو رقم اعتبره تامر عبدالمنعم نجاحًا كبيرًا مقارنة بفروع أخرى.
هذا الرقم ليس مجرد تفصيل دعائي. في سوق ترفيهية شديدة الحساسية للسعر والموقع وتنوع البدائل، بيع 800 تذكرة في افتتاح فرع جديد داخل مدينة سياحية مثل الغردقة يعني أن هناك طلبًا فعليًا على مشاهدة الفيلم المصري حين تكون التكلفة منخفضة والمكان قريبًا والعرض مرتبطًا بأفلام الموسم، لا بأفلام قديمة أو هامشية.
لماذا يهم هذا التوسع للسينما المصرية تحديدًا؟
لأن القضية هنا ليست ثقافية فقط، بل سينمائية وصناعية أيضًا. لسنوات، ظل الحديث عن أزمة التوزيع في مصر قائمًا: الأفلام تُنتج، لكن عدد الشاشات ليس كافيًا، والانتشار الجغرافي غير متوازن، والجمهور خارج المدن الكبرى غالبًا ما يصل إليه الفيلم متأخرًا أو لا يصل أصلًا. «سينما الشعب» لا تحل كل هذه الأزمة، لكنها تقدم نموذجًا موازيا يخفف من حدتها.
- أولًا: المشروع يربط بين أفلام الموسم والجمهور في المحافظات، بدل الاكتفاء بعرض أفلام أرشيفية.
- ثانيًا: سعر التذكرة 40 جنيهًا يفتح الباب أمام الأسر والشباب، خصوصًا في مواسم الأعياد والإجازات.
- ثالثًا: استخدام قصور الثقافة يمنح بنية تحتية موجودة أصلًا فرصة للعمل بوظيفة جديدة ومباشرة.
- رابعًا: التوسع إلى مدن مثل المنصورة وأسوان والغردقة وحلوان يعيد النقاش حول حق المحافظات في الترفيه الثقافي الحديث، لا الترفيه الرمزي فقط.
هل النجاح جماهيري أم موسمي فقط؟
هنا يظهر الاختبار الأصعب. فالإقبال الكبير في الأعياد لا يكفي وحده للحكم النهائي. صحيح أن الهيئة العامة لقصور الثقافة تحدثت عن زحام جماهيري في عروض عيد الأضحى، وأن تقارير صحفية أشارت إلى أن إيرادات المشروع خلال إجازة العيد اقتربت من مليوني جنيه، لكن نجاح «سينما الشعب» على المدى الطويل سيعتمد على ما بعد العيد: هل يستمر تشغيل الفروع الجديدة بانتظام؟ وهل تتوفر الأفلام الجديدة بسرعة كافية؟ وهل تحافظ المواقع على جودة العرض والتنظيم؟
مع ذلك، تبدو المؤشرات الأولية مشجعة. فعودة الحفلات الكاملة في قصر السينما بجاردن سيتي، واستمرار التذكرة الموحدة، والتوسع العددي من 18 دار عرض في بعض الفترات إلى 21 موقعًا في موسم عيد الأضحى 2026، كلها إشارات إلى أن المشروع لم يعد مبادرة رمزية، بل أصبح شبكة عرض بديلة تتوسع تدريجيًا.
المنصورة وأسوان: الرهان التالي
إذا كانت حلوان والغردقة قد دخلتا فعليًا خريطة التشغيل في عيد الأضحى، فإن الأنظار تتجه الآن إلى المنصورة وأسوان. افتتاح فرع داخل قصر ثقافة المنصورة مهم لأن المدينة تملك كتلة جماهيرية وتعليمية كبيرة، ويمكن أن تتحول إلى نقطة جذب سينمائي في الدلتا. أما أسوان، فافتتاح فرع داخل مسرح فوزي فوزي يمنح جنوب مصر نافذة جديدة لمتابعة الأفلام التجارية الحديثة داخل إطار ثقافي رسمي، وهو تطور مهم في مدينة لها وزن رمزي وثقافي خاص داخل المشهد المصري.
ما الذي يجعل «سينما الشعب» قصة الصيف فعلًا؟
القصة الأبرز في أي صيف سينمائي لا تكون دائمًا الفيلم الأعلى إيرادًا، بل أحيانًا التحول الذي يغير قواعد اللعب. وفي حالة «سينما الشعب»، هناك ثلاثة عناصر تمنح المشروع هذه الفرصة:
- الانتشار: وجود العروض في 17 محافظة خلال عيد الأضحى 2026.
- السعر: التذكرة الموحدة عند 40 جنيهًا، وهو فارق حاسم لجمهور واسع.
- التوقيت: التوسع جاء بالتزامن مع موسم صيفي مزدحم، ما يجعله جزءًا من المنافسة الفعلية على الجمهور لا مشروعًا منفصلًا عنها.
لهذا، يمكن القول إن «سينما الشعب» تملك بالفعل ملامح قصة الصيف الحقيقية للسينما المصرية، ليس لأنها تنافس دور العرض التجارية مباشرة، بل لأنها توسع قاعدة المشاهدة نفسها. فكل مقعد يُملأ في قصر ثقافة بالغردقة أو حلوان أو لاحقًا في المنصورة وأسوان، هو مقعد جديد في معادلة الجمهور المصري، وليس مجرد رقم إضافي في شباك التذاكر.
الخلاصة
حتى الآن، الإجابة الأقرب هي: نعم، ولكن بشروط. التوسع الذي أعلنته وزارة الثقافة في المنصورة وحلوان وأسوان والغردقة أعطى «سينما الشعب» دفعة قوية، خصوصًا بعد دخول حلوان والغردقة الخدمة فعليًا وتحقيق افتتاح الغردقة رقمًا لافتًا بلغ 800 تذكرة في أول ليلة. وإذا نجحت الوزارة والهيئة العامة لقصور الثقافة في تثبيت التشغيل المنتظم، والحفاظ على سعر الـ40 جنيهًا، والاستمرار في جلب أفلام الموسم إلى هذه المواقع، فالمشروع لن يكون فقط خبرًا ثقافيًا ناجحًا، بل قد يصبح بالفعل أهم حكاية مصرية في صيف السينما 2026؛ لأنه يعيد تعريف من يملك حق الذهاب إلى السينما، وأين، وبأي تكلفة.