Filmatology

هل يستحق «Kemet: Year One» المشاهدة في مصر الآن؟

مراجعة فيلم «Kemet: Year One»: تجربة مصرية طموحة تراهن على الصورة قبل الأسطورة

منذ انطلاق فيلم Kemet: Year One في دور العرض المصرية يوم 25 يونيو 2026، بدا واضحًا أن العمل لا يقدّم نفسه كفيلم تاريخي تقليدي عن الفراعنة، بل كمغامرة بقاء تدور في زمن أسبق كثيرًا من الصورة الذهنية الشائعة عن مصر على الشاشة. الفيلم من تأليف وإخراج وبطولة مو إسماعيل، وتبلغ مدته 100 دقيقة، ويُعرض بالعربية، فيما تضم قائمة أبطاله أسماء مثل أحمد التهامي ورِسّام سلامة ومودا أحمد وديدا مورجان.

هذه النقطة وحدها كافية لتمييزه داخل موسم مزدحم بالأعمال التجارية المعتادة: نحن أمام فيلم يحاول استعادة مصر ما قبل الأسرات، لا مصر الأهرامات والملوك واللعنات. والسؤال الأهم لجمهور مصر الآن ليس فقط: هل الفيلم جيد؟ بل أيضًا: هل يقدّم رؤية تستحق المشاهدة فعلًا، أم يكتفي بفكرة تسويقية لافتة؟

عن ماذا يحكي الفيلم؟

بحسب الملخصات المتداولة عبر منصات العرض وقواعد بيانات السينما، تدور القصة حول أب ينطلق في رحلة شاقة لإنقاذ ابنه بعد أن يفرّق بينهما النهر، لتتحول الرحلة إلى صراع من أجل البقاء يربط بين العائلة والبدايات الأولى لتشكّل المجتمع البشري. هذه الحبكة الأساسية بسيطة جدًا، بل تكاد تكون بدائية عمدًا، لكنها تمنح الفيلم مساحة واسعة للاعتماد على الحركة والبيئة والتكوين البصري أكثر من اعتماده على الحوارات الثقيلة أو التعقيد الدرامي المصطنع.

وهنا تظهر أول مفارقة: من ينتظر من Kemet: Year One دراما تاريخية مليئة بالمعلومات أو الصراعات السياسية سيجد نفسه أمام فيلم أقرب إلى رحلة بدائية للبقاء. أما من يدخل القاعة وهو مستعد لتجربة حسية وبصرية مرتبطة بالمكان والنجاة والخوف من الطبيعة، فغالبًا سيجد ما يبحث عنه.

نقطة القوة الكبرى: مصر القديمة هنا ليست ديكورًا هوليووديًا

أكثر ما يلفت في الفيلم، حتى قبل الحكم على مستواه الدرامي، هو اختياره الابتعاد عن القاموس البصري الذي كرّرته أفلام هوليوود لعقود: تماثيل عملاقة، كهنة غامضون، لعنة، ذهب، وصحراء تتحول إلى خلفية exotic لا أكثر. في المقابل، يقدّم مو إسماعيل عالمًا أكثر خشونة وأقرب إلى الأرض: جبال وصحارى ومناطق مفتوحة في مصر، وضوء نهاري طبيعي، ونيران حقيقية ليلًا، وقرى مشيّدة يدويًا بدل الإحساس المعتاد بالاستوديو أو الخلفيات الرقمية.

هذا التوجّه ليس انطباعًا نقديًا فقط، بل تؤكده المواد التعريفية الخاصة بالفيلم، التي تشير إلى أنه بُني على مواقع تصوير عملية في صحارى وجبال مصر مع الاعتماد على الإضاءة الطبيعية والبيئات المصنوعة يدويًا. كما كشفت تغطية صحفية مصرية سابقة عن انتهاء التصوير في أسوان بعد أسابيع من العمل في الصحارى والوديان، مع إعادة إنشاء ثلاث قرى كاملة من العصر الحجري باستخدام الخشب والحجر وألياف النخيل.

هذا مهم جدًا نقديًا، لأن الفيلم لا “يستخدم” مصر القديمة كشعار، بل يحاول تخيّلها كبيئة معيشة: ناس يتحركون، يتصارعون، يخافون، ويبنُون معنى الجماعة لأول مرة. لذلك، حتى حين يتعثر السرد أحيانًا، تبقى الصورة قادرة على حمل جزء معتبر من التجربة.

هل ينجح الفيلم سرديًا؟

الإجابة الأقرب للدقة: ينجح جزئيًا. الفيلم يربح كثيرًا من وضوح فكرته ومن التزامه بنمط واحد لا يساوم عليه، لكنه في المقابل يغامر بفقدان بعض المشاهدين الذين يفضّلون الحبكات المتشابكة أو الإيقاع الأسرع. القصة هنا خيطها الأساسي مباشر، والشخصيات تُبنى غالبًا عبر الفعل الجسدي والمواقف أكثر من الحوار أو الخلفيات النفسية المفصّلة.

هذا الاختيار مناسب للعالم الذي يدور فيه الفيلم، لكنه يعني أيضًا أن التعلّق بالشخصيات قد لا يكون بنفس قوة التعلّق بالمكان نفسه. أحيانًا تشعر أن النهر والصخور والرمال والليل أكثر حضورًا من البشر، لكن يمكن اعتبار ذلك جزءًا من رؤية العمل: الإنسان هنا ما يزال في بدايته، يتشكل تحت ضغط الطبيعة لا فوقها.

إذا كان هناك ما يُحسب للفيلم، فهو أنه لا يسقط في فخ الوعظ أو الشرح الزائد. لا يحاول أن يحوّل كل لحظة إلى درس عن الحضارة المصرية، ولا يلهث وراء خطاب قومي مباشر. بدل ذلك، يراهن على فكرة أبسط وأكثر فاعلية سينمائيًا: دع المكان يتكلم.

أداء مو إسماعيل وباقي الأبطال

كون مو إسماعيل هو المؤلف والمخرج والبطل يجعل الفيلم مرتبطًا جدًا بحضوره ورؤيته. هذا يمنح العمل تماسكًا واضحًا، لكنه يضعه أيضًا تحت اختبار صعب: أي نجاح أو تعثر سيُقرأ باعتباره من صلب بصمته الشخصية. في المجمل، تظهر الجدية والطموح بوضوح في قيادة المشروع، خصوصًا أن الفيلم لا يبدو كتمرين صغير، بل كإنتاج يريد إثبات إمكانية صنع ملحمة مصرية مختلفة بموارد ورؤية محليتين.

أما بقية الممثلين، ومنهم أحمد التهامي ورِسّام سلامة، فيخدمون طبيعة الفيلم التي تعتمد على الحضور الجسدي والانغماس في البيئة أكثر من الاستعراض التمثيلي التقليدي. ولذلك فمعيار التقييم هنا ليس عدد المشاهد الحوارية القوية، بل مدى الإقناع داخل عالم قاسٍ بدائي يتطلب التوتر والانتباه والحركة المستمرة.

لماذا قد يهم جمهور مصر تحديدًا؟

بالنسبة إلى المتفرج المصري، تكمن جاذبية Kemet: Year One في أنه يحاول استرداد مساحة ظلت غالبًا محتكرة من الخيال الغربي: كيف تبدو مصر القديمة على الشاشة حين يتخيلها صانع مصري من الداخل؟ ليس المقصود الدقة الأكاديمية الكاملة، بل زاوية النظر. الفيلم لا يقدّم المصري القديم كأيقونة متحفية، بل كإنسان يعيش على أرض قاسية ويواجه أسئلة البقاء الأولى.

كذلك، فإن تصوير أجزاء العمل في أسوان يضيف بعدًا محليًا مهمًا. بدل الاعتماد على مصر المتخيلة في استوديوهات بعيدة، يستفيد الفيلم من تضاريس مصر الحقيقية لإنتاج ملمس بصري مختلف. وهذه نقطة قد تهم جمهور السينما في مصر أكثر من أي حملة دعائية، لأن المشاهد يرى على الشاشة طبيعة مألوفة جغرافيًا، لكن معاد تقديمها داخل زمن سحيق.

هل يستحق المشاهدة الآن؟ الحكم النهائي

نعم، يستحق المشاهدة إذا كنت تبحث عن فيلم مختلف بصريًا، وعن محاولة جادة لتقديم مصر ما قبل الصورة الفرعونية المستهلكة. وهو يستحق المتابعة أكثر إذا كان اهتمامك في قسم مراجعات الأفلام ينصرف إلى التجارب الطموحة التي تختبر حدود الإنتاج المحلي واللغة البصرية، لا فقط إلى الأفلام المضمونة جماهيريًا.

لكن من الأفضل ضبط التوقعات: هذا ليس فيلمًا تجاريًا خفيفًا، وليس ملحمة تاريخية تقليدية مليئة بالأحداث المتلاحقة. قوته الأساسية في العالم الذي يبنيه، وفي إصراره على استبدال “مصر الهوليوودية” بمصر أكثر ترابًا ووحشية وبدائية. وإذا تقبّلت هذا الرهان، فستجد أمامك تجربة لها شخصية واضحة، حتى لو لم تكن كاملة على مستوى الدراما.

الخلاصة

  • يستحق المشاهدة لمحبي الأفلام البصرية وتجارب البقاء التاريخية.
  • أهم ما يميّزه هو توظيفه لمصر القديمة بعيدًا عن الكليشيهات الهوليوودية المعتادة.
  • قد لا يناسب من يفضّلون الإيقاع السريع أو الحبكات المعقدة.
  • قيمته الحقيقية تكمن في طموحه: تقديم سردية مصرية مختلفة عن بدايات الأرض والإنسان.

في النهاية، ربما لا يكون Kemet: Year One فيلمًا كاملًا، لكنه بالتأكيد فيلم لافت. وفي وقت تبحث فيه السينما العربية عمومًا، والمصرية خصوصًا، عن مساحات جديدة خارج القوالب المكررة، تبدو هذه المحاولة جديرة بأن تُشاهد وتُناقش، لا لأنها تتحدث عن الماضي فقط، بل لأنها تختبر أيضًا شكل المستقبل الممكن للسينما المصرية.