Filmatology

هل يقدر غير نولان على تصوير فيلم كامل بكاميرات IMAX؟

نجاح The Odyssey يعيد طرح السؤال الأكبر في هوليوود

عاد اسم المخرج البريطاني الأمريكي كريستوفر نولان ليتصدر النقاش السينمائي عالميًا بعد أن تأكد رسميًا أن The Odyssey هو أول فيلم روائي طويل يُصوَّر بالكامل بكاميرات IMAX، وهي خطوة وُصفت داخل الصناعة بأنها اختبار حقيقي لحدود التكنولوجيا السينمائية الحديثة. منصة IMAX نفسها قدمت الفيلم باعتباره أول عمل روائي يُنجز بالكامل بهذه الكاميرات، بينما أكدت NBCUniversal الأمر نفسه عند الكشف عن العرض الدعائي الجديد في 7 مايو 2026، مع طرح الفيلم عالميًا في يوليو 2026.

السؤال الذي يفرض نفسه الآن ليس فقط كيف حقق نولان هذا الإنجاز، بل ما إذا كان أي مخرج آخر قادرًا فعلًا على تكرار التجربة قريبًا. النقاش لم يعد تقنيًا فقط، بل بات مرتبطًا بالميزانية، والخبرة، والبنية التحتية، وحتى بقوة الاسم الذي يستطيع إقناع الاستوديوهات ودور العرض بالمغامرة في مشروع بهذا الحجم.

لماذا تبدو التجربة استثنائية إلى هذا الحد؟

على مدار سنوات، استخدم نولان كاميرات IMAX في مشاهد منتقاة ضمن أفلامه، لكن The Odyssey نقل الفكرة إلى مستوى مختلف تمامًا. ووفق ما نشرته NBCUniversal، فإن الفيلم يمثل “طموحًا طويل الأمد” بالنسبة إلى نولان، فيما أشارت تقارير متخصصة إلى أن إحدى العقبات التاريخية الرئيسية كانت ضوضاء الكاميرات وصعوبة توظيفها في فيلم كامل يعتمد على الحوار والمشاهد الدرامية، لا على اللقطات الضخمة فقط.

الأمر لا يتعلق بالكاميرا وحدها. تقرير وكالة Associated Press أوضح أن النسخ السينمائية من الفيلم المخصصة لعرض IMAX 70mm ضخمة للغاية، إذ يصل طول الشريط إلى نحو 18 كيلومترًا ويزن قرابة 300 كيلوغرام، كما يتطلب غرف عرض مهيأة تقنيًا، ومشغلين معتمدين من IMAX، إلى جانب أجهزة عرض لا تتوافر إلا في عدد محدود جدًا من الصالات حول العالم.

أرقام تكشف صعوبة التكرار

  • 41 شاشة فقط حول العالم كانت قادرة على عرض الفيلم بصيغة IMAX 70mm، بحسب AP.
  • 26 صالة فقط في الولايات المتحدة يمكنها عرض The Odyssey بهذه الصيغة، وفق Axios في 23 يوليو 2026.
  • IMAX أعلنت أن افتتاح الفيلم حقق 52 مليون دولار عالميًا داخل شبكة IMAX وحدها، ووصفت البداية بأنها قياسية.
  • NBCUniversal أشارت إلى أن الافتتاح العالمي الكلي للفيلم وصل إلى 263.8 مليون دولار، وهو أفضل انطلاقة في مسيرة نولان.

هذه الأرقام تفسر لماذا لا يبدو السؤال: “هل يمكن؟” بل “من يقدر على تحمل التكلفة والمخاطرة؟”.

ما الذي يميز نولان عن غيره؟

كريستوفر نولان لا يدخل هذه المعركة بصفته مخرجًا ناجحًا فقط، بل باعتباره واحدًا من القلة الذين يملكون نفوذًا إبداعيًا وإنتاجيًا يسمح لهم بفرض شروط العرض والتصوير. بعد النجاح الكبير لـOppenheimer، عاد نولان إلى التعاون مع Universal في مشروع جديد ضخم، من إنتاجه مع إيما توماس، وبدعم تقني مباشر من IMAX. كما كشفت IMAX أن الشركة طورت مع نولان ومدير التصوير هويت فان هويتيما جيلًا جديدًا من الكاميرات حمل اسم Keighley، مع تحسينات تستهدف جعل التصوير الكامل بهذه المنظومة أكثر عملية.

بمعنى آخر، نولان لم يكتفِ باستخدام التقنية المتاحة، بل شارك في دفعها خطوة إلى الأمام. وهذا فارق مهم جدًا. فليس كل مخرج يملك الوقت أو النفوذ أو علاقة الشراكة التي تسمح بتطوير أدوات التصوير نفسها قبل بدء المشروع. لذلك، حتى لو أُعجب صناع أفلام آخرون بالتجربة، فإن تكرارها يحتاج إلى أكثر من رغبة فنية.

هل الباب مفتوح أمام مخرجين آخرين؟

نظريًا نعم. لا توجد معلومة رسمية تقول إن استخدام كاميرات IMAX الكاملة سيظل حكرًا على نولان. لكن عمليًا، الواقع أكثر تعقيدًا. تقارير الصناعة تشير إلى أن التصوير بصيغة IMAX 70mm يتطلب ميزانيات مرتفعة، جداول إنتاج دقيقة، وفرقًا تقنية قادرة على إدارة معدات ثقيلة وحساسة. كما أن جدوى هذه المغامرة ترتبط بوجود جمهور مستعد لدفع ثمن التجربة السينمائية المميزة في صالات محدودة العدد.

نجاح The Odyssey قد يشجع استوديوهات كبرى على التفكير في مشاريع مشابهة، خصوصًا في الأفلام التاريخية أو الملحمية أو الخيال العلمي التي تستفيد بصريًا من هذا الحجم. لكن من المبكر القول إننا أمام موجة جديدة. الأقرب للدقة أن نولان أثبت أن الفكرة ممكنة، لكنه لم يثبت بعد أنها سهلة التكرار. هذه قراءة استنتاجية مدعومة بندرة الشاشات، وحجم المتطلبات التقنية، وطبيعة الشراكات التي أحاطت بالفيلم.

ماذا يعني ذلك للجمهور العربي والمصري؟

بالنسبة للقارئ في مصر والمنطقة العربية، تكمن أهمية الخبر في أنه يعكس اتجاهًا أوسع داخل السينما العالمية: الرهان مجددًا على التجربة داخل قاعة العرض بدل الاكتفاء بالمشاهدة المنزلية. هذا التحول يهم أسواق المنطقة، لأن نجاح الأفلام الضخمة بصريًا يضغط على الموزعين وأصحاب دور العرض للاستثمار أكثر في الشاشات المتطورة وأنظمة الصوت والعرض المتميزة، حتى إن لم تكن جميعها قادرة على تشغيل IMAX 70mm ذاته.

ومن زاوية “السينما العربية” كقسم يتابع حركة الصناعة في محيط مصر الأوسع، فإن الدرس الأهم ليس في تقليد نولان حرفيًا، بل في فهم كيف يمكن للتكنولوجيا أن تصبح جزءًا من الهوية الفنية للفيلم. هذا لا يعني أن الإنتاجات العربية مطالبة بالسير نحو الصيغة نفسها، لكن التجربة تؤكد أن الاستثمار في الصورة والصوت يمكن أن يتحول إلى عنصر تسويق وقيمة مضافة حقيقية، إذا توافرت الرؤية والتمويل والبنية المناسبة.

طاقم الفيلم وقوة المشروع التجارية

الفيلم لم يعتمد على التقنية وحدها، بل جاء مدعومًا أيضًا بطاقم تمثيل كبير يضم مات ديمون، وتشارليز ثيرون، وزندايا، وروبرت باتينسون، ولوبيتا نيونغو، وآن هاثاواي، وتوم هولاند (@tomholland2013 على إنستغرام)، بحسب NBCUniversal. هذا النوع من المشاريع الضخمة يضاعف فرص الانتشار العالمي، ويمنح الاستوديوهات ثقة أكبر في تحمل تكاليف غير معتادة على مستوى التصوير والعرض.

كما أن الإقبال على النسخ النادرة من العرض كان لافتًا. Associated Press ذكرت أن صالة براغ، وهي من بين عدد قليل جدًا من صالات IMAX 70mm في أوروبا، استقبلت زوارًا من نحو 15 دولة أوروبية، مع وصول العدد إلى 22 ألف متفرج بحلول 27 يوليو 2026، وسط عروض متعددة يوميًا غالبيتها بيعت بالكامل.

الخلاصة: الإنجاز ممكن... لكن بشروط نادرة

حتى الآن، الإجابة الأكثر دقة هي أن تصوير فيلم كامل بكاميرات IMAX ليس مستحيلًا لغير كريستوفر نولان، لكنه ما زال إنجازًا يتطلب شروطًا نادرة جدًا: مخرج يملك ثقة الاستوديو، وشريكًا تقنيًا بحجم IMAX، وميزانية كبيرة، وفيلمًا يمكن تسويقه كحدث عالمي، إلى جانب شبكة عرض قادرة على استيعاب هذه التجربة. The Odyssey لم يفتح الباب فحسب، بل كشف أيضًا كم أن المرور منه صعب.

ولهذا يبدو نولان، في هذه اللحظة على الأقل، ليس مجرد أول من فعلها، بل الشخص الذي جمع بين الرغبة والقدرة والبنية الصناعية اللازمة لتحويل الحلم إلى واقع على الشاشة الكبيرة.