هوليوود و«أفلام أمريكا».. هل ما زالت الوصفة تبيع؟
بين الهوية الوطنية وشباك التذاكر
مع حلول 4 يوليو 2026، وهو اليوم الذي يوافق مرور 250 عامًا على إعلان استقلال الولايات المتحدة، عاد نقاش قديم إلى واجهة المشهد السينمائي الأمريكي: هل ما زالت هوليوود تنتج أفلامًا تتعامل مع «أمريكا» باعتبارها الفكرة المركزية القادرة وحدها على جذب الجمهور؟ السؤال يبدو ثقافيًا في ظاهره، لكنه في الحقيقة مرتبط مباشرة بحسابات شباك التذاكر، لأن الأفلام التي تبني خطابها على الوطنية الأمريكية أو على صورة البلاد في لحظة أزمة كانت لسنوات جزءًا أصيلًا من ماكينة الصناعة.
النقاش تجدد بعد مواد صحفية وثقافية أمريكية نُشرت بالتزامن مع احتفالات الذكرى الـ250، وطرحت تساؤلات حول الفيلم الذي يمكن اعتباره الأكثر تعبيرًا عن الولايات المتحدة، سواء من خلال التاريخ أو المجتمع أو الحلم الأمريكي أو حتى الانقسام الداخلي. بالنسبة لمتابع السوق، الأهم ليس فقط أي فيلم يمثل أمريكا فنيًا، بل أي نوع من هذه الأفلام ما زال قادرًا على البيع.
«Independence Day».. المثال الأوضح على تحويل الوطنية إلى نجاح جماهيري
إذا كان هناك عنوان واحد يلخص العلاقة بين الهوية الأمريكية والنجاح التجاري، فسيكون غالبًا Independence Day للمخرج رولاند إمريش، الذي طُرح في الولايات المتحدة يوم 3 يوليو 1996. الفيلم لم يكتفِ باستخدام عيد الاستقلال كخلفية زمنية، بل جعل الدفاع عن الأرض الأمريكية رمزًا لإنقاذ العالم كله، وهي وصفة تجارية شديدة الوضوح.
من منظور الإيرادات، حقق الفيلم أرقامًا تشرح وحدها سبب بقائه في قلب هذا النقاش حتى الآن. بحسب Box Office Mojo، سجل 306.1 مليون دولار في السوق الأمريكية و817.4 مليون دولار عالميًا، كما تصدّر شباك التذاكر الأمريكي في عام 1996. وفي يوم الاستقلال نفسه داخل السوق المحلية، حقق الفيلم أكثر من 17.3 مليون دولار في يوم واحد، وهو رقم يوضح كيف التقت المناسبة الوطنية مع التسويق والجمهور في لحظة مثالية.
هذا النموذج يكشف شيئًا مهمًا: الجمهور لم يكن يشتري فقط فيلم خيال علمي عن غزو فضائي، بل كان يشتري أيضًا صورة بطولية لأمريكا، حيث البيت الأبيض والجيش والرئيس والخطاب الوطني عناصر أساسية في التجربة. وهنا يصبح «أمريكا» نفسها جزءًا من المنتج المعروض في شباك التذاكر.
لكن ليست كل «أفلام أمريكا» جماهيرية بالضرورة
في المقابل، هناك أفلام تُعد أمريكية بامتياز من حيث الموضوع والبيئة والشخصيات، لكنها لا تعمل بالمنطق التجاري نفسه. من أبرز الأمثلة Dazed and Confused الصادر عام 1993، والذي يدور حول مراهقين في تكساس خلال آخر يوم دراسي عام 1976، أي في أجواء مرتبطة أيضًا بالذاكرة الأمريكية. رغم مكانته النقدية اللاحقة، لم يحقق الفيلم أكثر من 8.25 مليون دولار عالميًا.
الأمر نفسه يظهر مع The Florida Project من توزيع A24 عام 2017. الفيلم يقدم صورة شديدة المحلية عن هامش الحياة الأمريكية قرب عالم ديزني في فلوريدا، ونال احتفاء نقديًا واسعًا، لكنه أنهى رحلته بإيرادات عالمية في حدود 10.87 مليون دولار. هذا الفارق مهم جدًا: الفيلم عن أمريكا ليس بالضرورة فيلمًا جماهيريًا. أحيانًا تربح الفكرة نقديًا وثقافيًا، لكنها لا تتحول إلى ماكينة بيع واسعة.
من «الحلم الأمريكي» إلى «الانقسام الأمريكي»
التغير الأكبر في السنوات الأخيرة لا يتعلق فقط بحجم الإيرادات، بل بطبيعة الصورة التي تقدمها هوليوود عن الولايات المتحدة. في التسعينيات وبدايات الألفية، كان من السهل نسبيًا تسويق أفلام تتبنى سردية موحدة: بلد قوي، أزمة كبرى، أبطال ينقذون الموقف. اليوم تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، لأن السينما الأمريكية نفسها باتت أكثر انجذابًا إلى قصص التشظي والتوتر الداخلي وعدم اليقين.
أوضح مثال حديث هو Civil War من شركة A24، الذي صدر في 2024. الفيلم يتخيل الولايات المتحدة وسط حرب أهلية، ويتابع صحفيين يحاولون الوصول إلى العاصمة. ورغم طابعه القاتم والجدلي، حقق في السوق الأمريكية نحو 68.6 مليون دولار، وهو رقم قوي نسبيًا لفيلم بهذا المزاج السياسي العنيف. نجاحه النسبي يقول إن الجمهور لا يزال مهتمًا بالأفلام التي تتناول أمريكا، لكن ليس بالضرورة من زاوية الاحتفال بها؛ بل ربما من زاوية الخوف عليها.
ما الذي تغيّر في معادلة الشباك؟
1) السوق العالمية أصبحت تحكم أكثر
هوليوود اليوم لا تصنع أفلامها للسوق المحلية فقط. العنوان الذي يعتمد بشكل كامل على رموز أمريكية مباشرة قد يواجه تحديًا إذا لم تكن فكرته قابلة للتصدير بسهولة إلى آسيا وأوروبا والشرق الأوسط. لهذا ازداد الاعتماد على الامتيازات الكبرى والأبطال الخارقين والأفلام الحدث بدل الأفلام التي تشرح أمريكا من الداخل بشكل صرف.
2) المنصات غيّرت طريقة استهلاك القصص المحلية
القصص الصغيرة التي تتناول الطبقة الوسطى أو الهوامش الاجتماعية أو تفاصيل المدن الأمريكية صارت تجد مساحة أفضل غالبًا عبر المنصات، لا عبر قاعات العرض التقليدية. وهذا يفسر لماذا أصبحت أفلام كثيرة «عن أمريكا» مهمة فنيًا، لكنها لا تتحول تلقائيًا إلى ظاهرة إيرادات.
3) الوطنية لم تعد تباع بالشكل القديم نفسه
الجمهور الأمريكي نفسه أكثر انقسامًا من السابق، وهو ما ينعكس على السينما. لذا فإن الخطاب الوطني المباشر الذي كان يعمل بسهولة في أفلام مثل Independence Day لم يعد يملك السحر نفسه ما لم يُقدَّم داخل قالب ترفيهي ضخم أو فكرة عالمية جدًا.
لماذا يهم هذا القارئ المصري؟
بالنسبة للجمهور في مصر، يظل هذا النقاش مهمًا لأن الأفلام الأمريكية ما زالت عنصرًا حاضرًا في دور العرض، لكن طريقة استقبالها تغيّرت. المشاهد المصري لم يعد يذهب فقط إلى «الفيلم الأمريكي» كهوية كافية، بل يبحث عن العرض الكبير، الفكرة الواضحة، والحدث البصري. وهذا يفسر استمرار جاذبية بعض العناوين الهوليوودية في المنطقة، مقابل تراجع الاهتمام بأفلام أمريكية أخرى تنال ضجة نقدية في الخارج لكنها لا تملك الجاذبية التجارية نفسها محليًا.
ومن زاوية «شباك التذاكر»، يمكن القول إن السؤال لم يعد: هل هوليوود ما زالت تصنع أفلامًا عن أمريكا؟ الإجابة نعم، وبكثرة. السؤال الأدق هو: أي نسخة من أمريكا يمكن بيعها اليوم في السينما؟ هل هي أمريكا البطولية كما رأيناها في Independence Day؟ أم أمريكا الممزقة كما في Civil War؟ أم أمريكا اليومية الهامشية كما في The Florida Project؟
الخلاصة
بعد 250 عامًا على 4 يوليو، تبدو هوليوود أقل يقينًا في تعريفها لأمريكا، لكنها لم تتخل عن الفكرة. الفارق أن «أفلام أمريكا» لم تعد نوعًا واحدًا، ولم تعد علاقتها مضمونة بشباك التذاكر. الفيلم الوطني الصريح ما زال ممكنًا، لكنه يحتاج إلى حدث ضخم وتسويق ذكي. أما الأفلام التي تقرأ المجتمع الأمريكي بعمق، فغالبًا ما تحصد أثرًا نقديًا وثقافيًا أكبر من أثرها التجاري.
في النهاية، ما تغيّر ليس حضور أمريكا في أفلام هوليوود، بل الطريقة التي تُروى بها أمريكا، والطريقة التي يشتري بها الجمهور هذه الحكاية.