هيلين ميرين: باتريشيا هايسميث الأصعب في مسيرتي
هيلين ميرين تكشف كواليس أصعب شخصية حقيقية جسّدتها
تستعد النجمة البريطانية هيلين ميرين لطرح واحد من أكثر أدوارها تعقيدًا هذا العام، بعدما تحدثت مؤخرًا عن تجربتها في تجسيد الكاتبة الأمريكية الراحلة باتريشيا هايسميث، صاحبة عالم ريبلي الشهير. ووصفت ميرين الشخصية بأنها الأصعب بين الشخصيات الواقعية التي لعبتها على الشاشة، مشيرة إلى أن هايسميث كانت ذات طابع حاد، وصعبة المراس، وتملك حضورًا إنسانيًا مراوغًا لا يمكن الإمساك به بسهولة. وتأتي هذه التصريحات مع اقتراب العرض العالمي الأول لفيلم A Talent for Murder ضمن الاختيارات الرسمية لمهرجان تورونتو السينمائي الدولي 2026.
الحديث عن صعوبة الدور يلفت الانتباه لأن ميرين معروفة أصلًا بقدرتها على أداء الشخصيات التاريخية والحقيقية بثقة لافتة. خلال مسيرتها، قدمت شخصيات ذات وزن رمزي وسياسي وثقافي، من بينها الملكة إليزابيث الثانية، كما ارتبط اسمها بأدوار تستند إلى ملامح نسائية قوية ومعقدة. لكن باتريشيا هايسميث، بحسب ما أوضحته ميرين، تختلف عن تلك النماذج؛ فهي ليست فقط كاتبة مؤثرة، بل شخصية ملتبسة نفسيًا، ومن الصعب تقديمها بصورة مباشرة أو تقليدية.
فيلم جديد يستعيد إرث صاحبة «السيد ريبلي الموهوب»
الفيلم الجديد من إخراج الهولندي أنتون كورباين، ويضع هايسميث في قلب حكاية تشويقية تدور في سويسرا خلال سنواتها الأخيرة. ووفق التفاصيل المعلنة، تؤدي هيلين ميرين دور الكاتبة التي تستقبل شابًا قادمًا من دار نشر أمريكية لإقناعها بكتابة جزء أخير من سلسلة Tom Ripley. العمل لا يقدم سيرة ذاتية تقليدية، بل يمزج بين وقائع مرتبطة بحياة المؤلفة وبين حبكة متخيلة ذات طابع نفسي وغامض، وهو ما يجعل الفيلم أقرب إلى تحية سينمائية لعالم هايسميث منه إلى إعادة سرد حرفية لحياتها.
ويشارك في البطولة إلى جانب هيلين ميرين كل من ألدن إيرنرايك وأوليفيا كوك وجولييت ستيفنسون. كما تؤكد قواعد بيانات الإنتاج البريطانية الرسمية أن الفيلم أُنجز بالفعل، وهو إنتاج مشترك بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وسويسرا وإيطاليا، بينما يتولى توزيعه في السوق الأمريكية لاحقًا هذا الخريف. كما تشير الصفحة الرسمية لهيلين ميرين إلى أن إطلاقه في الولايات المتحدة محدد في 23 أكتوبر 2026، على أن يصل إلى بريطانيا وأوروبا في فترة لاحقة بين أواخر 2026 وبدايات 2027.
لماذا تبدو باتريشيا هايسميث شخصية شائكة على الشاشة؟
تكمن جاذبية الشخصية في التناقضات التي تحملها. فهايسميث، التي عُرفت بأعمالها في أدب التشويق النفسي، صنعت عبر عقود طويلة شخصيات مضطربة أخلاقيًا، وعلى رأسها توم ريبلي الذي ظهر للمرة الأولى في رواية The Talented Mr. Ripley الصادرة عام 1955. لاحقًا تمدد تأثيرها إلى عدد كبير من الأفلام والمسلسلات، من بينها اقتباسات بارزة مثل Strangers on a Train، وCarol، وأحدثها مسلسل Ripley الذي عُرض على نتفليكس في 2024 وقاده أندرو سكوت. هذا الإرث يجعل أي تجسيد لصاحبة هذه العوالم مهمة شاقة، لأن الجمهور لا ينتظر فقط ملامحها الخارجية، بل أيضًا روحها المظلمة المركبة.
التقارير الحديثة عن الفيلم تشير إلى أن ميرين اعتمدت في التحضير على صور ومقاطع أرشيفية متاحة لهايسميث، مع اهتمام خاص بطريقة جلوسها وحركة رقبتها وهيئتها العامة. وركزت كذلك على جانبين متوازيين في الشخصية: القسوة الظاهرة من جهة، والهشاشة العاطفية من جهة أخرى. هذا التوازن يبدو أساسيًا لفهم لماذا رأت ميرين أن الدور صعب إلى هذه الدرجة، خصوصًا أن الفيلم لا يكتفي بتقديم هايسميث ككاتبة شهيرة، بل كذهن يختبر من حوله ويدفعهم إلى مناطق غير مريحة.
من المسرح إلى السينما: كيف وُلد المشروع؟
السيناريو مأخوذ عن مسرحية Switzerland للكاتبة الأسترالية جوانا موراي-سميث، التي قُدمت أول مرة في سيدني عام 2014 قبل انتقالها إلى بريطانيا لاحقًا. موراي-سميث نفسها تكفلت بتحويل المسرحية إلى سيناريو سينمائي، بينما اختار كورباين تغيير العنوان إلى A Talent for Murder بدلًا من Switzerland حتى يعكس النبرة القاتمة والمرتبطة أدبيًا بعالم ريبلي وهايسميث. هذا القرار التسويقي مهم أيضًا، لأنه يربط الفيلم ذهنيًا بإرث الكاتبة الأشهر بدل الاكتفاء بإحالة جغرافية قد تبدو محايدة للمشاهد.
وبالنسبة للقراء في مصر والعالم العربي، فإن هذا النوع من الأعمال يجد صداه سريعًا لدى جمهور يتابع أفلام السيرة النفسية والدراما الأدبية، خصوصًا حين تكون مرتبطة بأسماء صنعت أثرًا واسعًا في الثقافة الشعبية العالمية. النجاح المتجدد لقصص ريبلي خلال السنوات الأخيرة يؤكد أن أعمال هايسميث ما زالت قادرة على العبور بين الأجيال والمنصات، من الرواية إلى السينما ثم إلى المسلسلات الطويلة. لذلك يبدو الفيلم الجديد أكثر من مجرد عودة لهيلين ميرين؛ إنه أيضًا استثمار جديد في إرث أدبي لا يزال حاضرًا بقوة في سوق الشاشة العالمية.
مهرجان تورونتو يفتح الباب مبكرًا لموسم الجوائز
اختيار A Talent for Murder للعرض العالمي الأول في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي 2026 يمنحه دفعة مبكرة داخل سباق الاهتمام النقدي، خاصة أن المهرجان يُعد محطة محورية للأفلام الباحثة عن حضور جماهيري ونقدي قبل موسم الجوائز. وتؤكد البيانات الرسمية أن الفيلم ضمن العروض الأولى في تورونتو هذا الشهر، وهو ما يرفع مستوى الترقب لأداء ميرين تحديدًا، باعتبارها العمود الرئيسي للعمل ونقطة الجذب الأولى فيه.
كما أن توقيت طرح الصور الأولى من الفيلم أسهم في تصاعد الاهتمام به، إذ ظهرت هيلين ميرين بملامح مختلفة تمامًا، سواء في تصفيف الشعر أو الملابس أو الوقفة الجسدية، بما يعكس محاولة واضحة للابتعاد عن «أداء النجمة» لصالح الذوبان داخل الشخصية. بالنسبة للمتابع العربي، هذا النوع من التحولات التمثيلية يبقى عنصرًا مهمًا في تقييم الأفلام الجادة، لأنه يربط بين الحرفة والأثر الدرامي، لا بين الشهرة وحدها.
هيلين ميرين بين الهيبة الملكية وغموض الأدب النفسي
الفارق بين الشخصيات التي قدمتها ميرين سابقًا وبين باتريشيا هايسميث يكشف جانبًا مثيرًا في مسيرتها. فحين جسدت الملكة إليزابيث الثانية، كان التحدي مرتبطًا بصورة عامة محفوظة في الوعي العالمي. أما هنا، فهي أمام شخصية أقل ظهورًا جماهيريًا، لكن أكثر التباسًا من الداخل. تلك المعادلة ربما تفسر سبب وصفها هايسميث بأنها «الأصعب»؛ فالأمر لا يتعلق بالشبه الخارجي فقط، بل بإيصال التوتر الذهني والبرود العاطفي والحدة الاجتماعية التي التصقت باسم الكاتبة.
في المحصلة، يبدو أن A Talent for Murder مرشح ليكون واحدًا من أفلام الخريف اللافتة لعشاق السينما النفسية والسير غير التقليدية. ومع اعتراف هيلين ميرين بأن الدور كان من أكثر تجاربها تحديًا، يزداد الفضول حول النتيجة النهائية على الشاشة. وإذا نجح الفيلم في نقل تعقيد شخصية باتريشيا هايسميث بقدر ما توحي به المواد الأولى، فقد يجد لنفسه مكانًا ثابتًا في نقاشات السينما العالمية خلال الأشهر المقبلة، بما يتجاوز مجرد الاستفادة من شهرة اسم «ريبلي» إلى إعادة اكتشاف المرأة التي ابتكرت هذا العالم أصلًا.
- اسم الفيلم: A Talent for Murder
- البطولة: هيلين ميرين، ألدن إيرنرايك، أوليفيا كوك، جولييت ستيفنسون
- الإخراج: أنتون كورباين
- السيناريو: جوانا موراي-سميث
- العرض العالمي الأول: مهرجان تورونتو السينمائي الدولي 2026
- موعد الطرح الأمريكي: 23 أكتوبر 2026