يحيى إسماعيل: من العمارة والإعلانات إلى إخراج «ريفو»
يحيى إسماعيل.. مسار مختلف إلى الإخراج
كشف المخرج المصري يحيى إسماعيل عن جانب لافت من رحلته المهنية، موضحًا أنه لم يأتِ إلى الإخراج من الطريق الأكاديمي التقليدي المرتبط بدراسة السينما، بل عبر مسار طويل بدأ من كلية الفنون الجميلة قسم العمارة، مرورًا بالعمل في الديكور ثم الإعلانات، قبل أن يرسخ اسمه كمخرج درامي في السنوات الأخيرة. وتأتي هذه التصريحات في سياق حديثه لبرنامج «لمن يهمه الفن» الذي تقدمه الإعلامية أميرة نور عبر نغم إف إم، وهو برنامج استضاف خلال الفترة الماضية عددًا من الأسماء الفنية المصرية.
أهمية هذه التصريحات لا تتوقف عند بعدها الشخصي فقط، بل تكشف أيضًا عن طبيعة التكوين البصري الذي يميز أعمال إسماعيل؛ فخلفيته المعمارية وعمله المبكر في الديكور والإعلانات يفسران اهتمامه الواضح بالتفاصيل، وتشكيل الكادر، والهوية الزمنية للمكان داخل العمل الدرامي.
من فنون جميلة إلى مواقع التصوير
بحسب ما جرى تداوله في تصريحات إعلامية سابقة ومواد تعريفية مرتبطة بأعماله، فإن يحيى إسماعيل تخرج في فنون جميلة قسم العمارة، ولم يبدأ مشواره من دراسة الدراما بشكل مباشر، لكنه اتجه إلى الإعلانات منذ عام 2012، وهو ما منحه خبرة عملية مبكرة في الصورة، والإيقاع البصري، والتعامل مع عناصر مثل الملابس، والإضاءة، والديكور، وهي عناصر ظهرت لاحقًا بوضوح في أعماله الدرامية. كما سبق له أن تحدث عن اشتغاله في الديكور قبل التوسع في مجال الإعلانات.
هذا المسار العملي مهم داخل الصناعة المصرية، لأن الإعلانات كثيرًا ما تُعد مدرسة موازية لتخريج مخرجين يمتلكون حسًا بصريًا سريعًا ومنضبطًا، خاصة في الأعمال التي تعتمد على استعادة أزمنة سابقة أو بناء عوالم جمالية دقيقة. ويبدو أن تجربة إسماعيل تنتمي بوضوح إلى هذا النمط.
«ريفو».. العمل الذي لفت الأنظار
يبقى مسلسل «ريفو» أبرز محطة في تقديم يحيى إسماعيل إلى قطاع واسع من الجمهور والنقاد في مصر. العمل عُرض لأول مرة في 2 يونيو 2022، وجاء في إطار درامي موسيقي تدور أحداثه حول محاولة مريم اكتشاف أسرار قديمة تتعلق بوالدها وفرقة موسيقية اشتهرت في التسعينيات. وضم المسلسل مجموعة من الأسماء المعروفة، من بينهم أمير عيد، ركين سعد، صدقي صخر، حسن أبو الروس، تامر هاشم، سارة عبد الرحمن، مينا النجار، ومحسن محيي الدين، بينما كتب السيناريو محمد ناير.
نجاح «ريفو» لم يرتبط بالحكاية فقط، بل ارتبط أيضًا بلغته البصرية واستعادة أجواء التسعينيات بشكل مقنع. وفي تصريحات منشورة سابقًا، أوضح إسماعيل أنه بذل جهدًا ليحافظ المسلسل على إيقاع وروح التسعينيات، وهي نقطة التقطها الجمهور سريعًا، خصوصًا مع اعتماد العمل على الموسيقى والحنين البصري إلى تلك المرحلة.
لماذا بدت تجربة «ريفو» مختلفة؟
- خلفية معمارية انعكست على تكوين الصورة وتنظيم الفراغ داخل المشهد.
- خبرة في الديكور ساعدت على بناء بيئة درامية متماسكة بصريًا.
- سنوات في الإعلانات منحت المخرج قدرة على التكثيف والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة.
- وعي زمني ظهر في استعادة شكل وألوان وأجواء التسعينيات داخل المسلسل.
استمرار الحضور بعد «ريفو»
لم يتوقف حضور يحيى إسماعيل عند الموسم الأول من «ريفو»، إذ ارتبط اسمه أيضًا بإخراج «ريفو ج2» في 2023. وتُظهر قواعد بيانات الأعمال الفنية المتخصصة أن رصيده الإخراجي توسع بعد ذلك ليشمل أعمالًا منها «زينهم» في 2023، ثم «كل سنة مرة» و«أثينا» في 2025، إلى جانب أعمال مدرجة لعام 2026 مثل «توابع» و«تحت السن/أندر إيدج». ويعكس هذا التدرج أن المخرج الذي بدأ من خلفية غير نمطية أصبح حاضرًا بصورة أوضح داخل مشهد الدراما المصرية المعاصرة.
وبالنسبة للقارئ المصري، فإن ما يلفت الانتباه هنا هو أن هذه الرحلة تحمل ملمحًا مألوفًا في الصناعة المحلية: النجاح لا يأتي دائمًا من باب واحد. أحيانًا تبدأ الحكاية من العمارة، أو الديكور، أو الإعلانات، قبل أن تجد طريقها إلى الشاشة.
ما الذي تضيفه هذه التصريحات لصورة يحيى إسماعيل؟
حديث إسماعيل عن الدراسة والعمل قبل الإخراج يضيف بعدًا إنسانيًا ومهنيًا مهمًا إلى صورته كمخرج. فبدل الاكتفاء بفكرة «المخرج الشاب الذي لمع اسمه»، تكشف هذه الخلفية أن وراء نجاحه خبرات تراكمت على مدى سنوات، من الدراسة الأكاديمية إلى الممارسة العملية. كما أن الإشارة إلى العمل في الديكور والإعلانات تساعد على فهم سبب الاهتمام الواضح بالشكل البصري في أعماله، وهو عنصر بات أساسيًا في المنافسة داخل الدراما المصرية، خصوصًا على المنصات الرقمية.
كذلك تعيد هذه التصريحات طرح سؤال أوسع داخل الوسط الفني في مصر: إلى أي مدى أصبحت الخبرة العملية المتعددة التخصصات عنصرًا حاسمًا في صناعة مخرجين جدد؟ في حالة يحيى إسماعيل، تبدو الإجابة واضحة؛ فكل مرحلة مرّ بها تركت أثرًا مباشرًا في طريقته في السرد بالصورة.
حضور إذاعي يعكس اهتمامًا بالمهنة لا بالشهرة فقط
اختيار يحيى إسماعيل للحديث عبر برنامج فني إذاعي مثل «لمن يهمه الفن» يمنح التصريحات طابعًا مهنيًا أكثر من كونها مجرد لقطات دعائية عابرة. فالتركيز هنا لم يكن على الإثارة أو العناوين السريعة، بل على الجذور الأولى للمسار المهني، من الدراسة في الفنون الجميلة إلى الاحتكاك المباشر بسوق الإعلانات والديكور، ثم الانتقال إلى الإخراج الدرامي.
وفي ظل اهتمام جمهور مصر اليوم بكواليس الصناعة، خاصة مع صعود جيل جديد من المخرجين، تبدو قصة يحيى إسماعيل نموذجًا قابلًا للمتابعة. هي حكاية مخرج بنى أدواته تدريجيًا، واستفاد من خبرات تبدو بعيدة ظاهريًا عن السينما، لكنها صارت جزءًا أساسيًا من بصمته على الشاشة.
الخلاصة
تصريحات يحيى إسماعيل الأخيرة تعيد تقديمه ليس فقط كمخرج حقق حضورًا لافتًا مع «ريفو»، بل كصاحب رحلة مهنية مركبة بدأت من العمارة ومرت عبر الديكور والإعلانات قبل أن تصل إلى الدراما. وهذه الخلفية تفسر كثيرًا من ملامح أسلوبه، خاصة في الأعمال التي تعتمد على الهوية البصرية الواضحة واستدعاء الأزمنة الماضية. ومع اتساع قائمة أعماله خلال الأعوام الأخيرة، يبدو أن اسم يحيى إسماعيل مرشح للبقاء ضمن الأسماء التي تواصل ترسيخ حضورها في السينما والدراما المصرية من بوابة الاجتهاد والخبرة المتراكمة، لا من الطرق المختصرة.