45 عامًا على «القادسية».. بصمة مصرية في ملحمة تاريخية
45 عامًا على «القادسية».. لماذا يبقى الفيلم حاضرًا في الذاكرة العربية؟
تحل في 13 يوليو 2026 ذكرى مرور 45 عامًا على العرض الأول لفيلم «القادسية» في العراق، وهو العمل التاريخي الذي ارتبط في الذاكرة العربية بكونه مشروعًا إنتاجيًا عراقيًا واسع النطاق حمل في الوقت نفسه مساهمة مصرية واضحة على مستوى الإخراج والتمثيل والكتابة الفنية. ويكتسب الفيلم بالنسبة للقارئ المصري أهمية خاصة، لأن اسمه يرتبط مباشرة بحضور نجوم كبار من مصر، في مقدمتهم سعاد حسني وعزت العلايلي والمخرج صلاح أبو سيف.
وبحسب البيانات المنشورة على قاعدة بيانات السينما العربية، عُرض الفيلم لأول مرة في العراق يوم 13 يوليو 1981، ثم وصل إلى مصر في 3 يناير 1983. هذه المعلومة وحدها تكشف أن «القادسية» لم يكن مجرد فيلم تاريخي عابر، بل عملًا استمر حضوره عبر أكثر من سوق عربية، واستفاد من أسماء فنية لها وزنها في القاهرة وبغداد معًا.
فيلم عراقي بإخراج مصري ونجوم من الصف الأول
أبرز ما يلفت الانتباه في «القادسية» أن المشروع جمع بين إنتاج دائرة السينما والمسرح العراقية وبين رؤية أحد أهم مخرجي السينما المصرية، صلاح أبو سيف، الذي تولى الإخراج وشارك أيضًا في كتابة السيناريو والحوار. كما شارك في الكتابة محفوظ عبد الرحمن، مع الإشارة إلى اعتماد العمل على مادة تاريخية مرتبطة باسمَي علي أحمد باكثير وعبد الحميد جودة السحار.
أما على مستوى البطولة، فقد ضم الفيلم مجموعة لافتة من الفنانين العرب، بينهم من مصر سعاد حسني وعزت العلايلي وليلى طاهر، إلى جانب أسماء عراقية وعربية أخرى مثل شذى سالم ومحمد حسن الجندي وهالة شوكت ومحمد المنصور. هذا التنوع في فريق العمل يوضح أن الفيلم صُمم منذ البداية بوصفه إنتاجًا عربيًا كبيرًا، لا يقتصر على جمهور محلي واحد.
أدوار سعاد حسني وعزت العلايلي داخل الفيلم
في «القادسية» ظهرت سعاد حسني في دور شيرين، بينما جسّد عزت العلايلي شخصية سعد بن أبي وقاص. كما أدت شذى سالم دور سلمى بنت حفصة، وقدمت ليلى طاهر شخصية بوران. وتبرز هذه الأسماء بالنسبة للمتابع المصري تحديدًا لأن الفيلم جاء في مرحلة كانت فيها سعاد حسني وعزت العلايلي من بين أبرز نجوم الشاشة العربية، وهو ما منح العمل وزنًا جماهيريًا إضافيًا.
وإذا كان كثير من الجمهور يتذكر سعاد حسني عبر أفلامها الاجتماعية والاستعراضية والرومانسية، فإن «القادسية» يظل من الأعمال المختلفة داخل مسيرتها، لأنه وضعها في فضاء تاريخي ملحمي بعيد عن القوالب التي اشتهرت بها في السينما المصرية التجارية. وهذا التنوع هو أحد أسباب استمرار الاهتمام بأعمالها حتى اليوم، خصوصًا عند استعادة محطات أقل تداولًا في مشوارها.
ما الذي يرويه «القادسية»؟
يتناول الفيلم وقائع معركة القادسية، ويقدم دراما تاريخية تدور حول المواجهة التي انتهت بهزيمة الفرس في تلك المرحلة المفصلية من التاريخ الإسلامي. ووفق الملخص المنشور للعمل، يتابع الفيلم تحركات جيش المسلمين بقيادة سعد بن أبي وقاص، وما يرتبط بذلك من شخصيات وأحداث عسكرية وسياسية داخل المعركة وما قبلها.
هذا النوع من الأفلام التاريخية كان يحتاج، في وقت إنتاجه، إلى إمكانات كبيرة على مستوى الديكور والملابس والمجاميع وتنفيذ مشاهد المعارك، وهو ما يفسر لماذا ظل «القادسية» يُذكر بوصفه واحدًا من المشاريع السينمائية العربية الثقيلة إنتاجيًا في مطلع الثمانينيات.
لماذا يهم هذا الفيلم جمهور السينما المصرية؟
رغم أن «القادسية» فيلم عراقي في الأساس، فإن زاويته المصرية حاضرة بقوة، وهو ما يجعله مناسبًا ضمن تغطية السينما المصرية من باب مساهمة الفنانين المصريين في مشروع عربي كبير. فوجود صلاح أبو سيف على كرسي الإخراج وحده كفيل بإعطاء الفيلم بعدًا مصريًا مهمًا، خاصة أن اسم المخرج الراحل يرتبط بأعمال شكلت جزءًا أساسيًا من تاريخ السينما في مصر.
كما أن ظهور سعاد حسني في هذا العمل يمنح الذكرى قيمة خاصة لدى الجمهور المصري. فالسندريلا لا تزال حتى الآن واحدة من أكثر النجمات حضورًا في الوجدان الشعبي، ومع كل مناسبة مرتبطة بأعمالها يعود الاهتمام النقدي والجماهيري بسؤال: كيف كانت تختار أدوارها؟ وكيف تنقلت بين أفلام اجتماعية وغنائية وتاريخية دون أن تفقد خصوصيتها الفنية؟
محطة عربية لافتة في مسيرة صلاح أبو سيف
يُنظر إلى «القادسية» أيضًا بوصفه عنوانًا مهمًا في مسيرة صلاح أبو سيف، الذي اشتهر في مصر بأفلام الواقعية الاجتماعية، لكنه خاض هنا تجربة مختلفة نسبيًا من حيث الحجم والموضوع والبناء البصري. وتشير البيانات المتاحة إلى أن الفيلم شارك في الدورة الثانية عشرة من مهرجان موسكو السينمائي الدولي عام 1981، ما يؤكد أن حضوره لم يتوقف عند التوزيع العربي فقط، بل امتد إلى واجهة المهرجانات الدولية كذلك.
ومن هذه الزاوية، يبدو «القادسية» مثالًا على مرحلة كان فيها التعاون السينمائي العربي أكثر جرأة في الاشتباك مع المشروعات التاريخية الكبرى، مستفيدًا من نجوم الصف الأول ومن خبرات فنية عابرة للحدود.
تفاصيل موثقة عن الفيلم
- اسم الفيلم: القادسية
- نوعه: فيلم تاريخي
- العرض الأول: العراق، 13 يوليو 1981
- تاريخ عرضه في مصر: 3 يناير 1983
- الإخراج: صلاح أبو سيف
- الإنتاج: دائرة السينما والمسرح العراقية
- أبرز الأبطال: سعاد حسني، عزت العلايلي، شذى سالم، ليلى طاهر، محمد حسن الجندي، هالة شوكت، محمد المنصور
ذكرى تستحق الاستعادة
بعد 45 عامًا من انطلاق «القادسية»، يبقى الفيلم شاهدًا على تعاون عربي سينمائي حمل ملامح مصرية واضحة، سواء عبر عدسة صلاح أبو سيف أو عبر حضور سعاد حسني وعزت العلايلي في البطولة. وربما لا يُعد الفيلم من أكثر أعمال سعاد حسني تداولًا على الشاشات المصرية اليوم، لكنه يظل عنوانًا مهمًا عند قراءة اتساع تجربتها الفنية، وعند تأمل اللحظات التي خرجت فيها السينما العربية إلى مشاريع ضخمة تتجاوز حدود الدولة الواحدة.
وفي زمن تتجدد فيه الدعوات إلى مزيد من الإنتاجات العربية المشتركة، تبدو العودة إلى «القادسية» مناسبة للتذكير بأن هذا الحلم سبق أن تحقق بالفعل، وأن السينما المصرية كانت جزءًا أصيلًا منه، فنيًا وجماهيريًا وتاريخيًا.