«American Doctor».. كيف تركت بوه سي تينغ وظيفتها لتصنع فيلماً عن غزة؟
فيلم وثائقي جديد يخرج من قلب المأساة إلى قاعات العرض
في موسم يشهد حضوراً لافتاً للأفلام التسجيلية ذات البعد الإنساني، يبرز American Doctor كأحد العناوين التي جذبت الانتباه داخل دوائر السينما المستقلة والعروض المتخصصة. الفيلم، الذي أخرجته المنتجة والصحفية الماليزية-الأمريكية بوه سي تينغ، لا يكتفي بتقديم شهادة عن القطاع الصحي في غزة، بل يبني حكايته من خلال ثلاثة أطباء أمريكيين قرروا التوجه إلى هناك وسط الانهيار الطبي وضغط الحرب. وقد عُرض الفيلم ضمن مسابقة الوثائقي الأمريكي في مهرجان صندانس 2026، قبل أن يبدأ عروضه المبكرة في الولايات المتحدة خلال أغسطس 2026، ثم تُطرح له عروض سينمائية أوسع لاحقاً.
وبالنسبة لقراء قسم شباك التذاكر في مصر، فإن أهمية الفيلم لا تتوقف عند موضوعه السياسي والإنساني فقط، بل تمتد إلى مساره السينمائي نفسه: كيف وُلد المشروع؟ وكيف تحوّل من دافع شخصي صادم إلى عمل مدته 93 دقيقة ينافس في أهم منصات السينما الوثائقية؟
لماذا تركت بوه سي تينغ منصبها التنفيذي؟
الشرارة الأساسية وراء American Doctor جاءت، وفق ما ورد في تغطيات صندانس، بعد فترة من متابعة بوه سي تينغ لاستهداف صحفيين وعاملين ميدانيين في غزة. تينغ، التي كانت تشغل منصباً تنفيذياً في قطاع الاستوديوهات والإنتاج بعد مسيرة شملت العمل مع ABC/Disney، قالت في جلسة نقاش عقب عرض الفيلم إنها لم تعد راغبة في الاستمرار في ذلك العمل، فقررت ترك وظيفتها واستنزاف مدخراتها الشخصية من أجل إنجاز الفيلم. كما تُعرّفها صفحاتها المهنية بأنها منتجة مستقلة حائزة على جوائز، وشغلت سابقاً منصباً إبداعياً وتنفيذياً في ABC/Disney.
هذا القرار لم يأتِ من فراغ. التغطيات المرتبطة بالفيلم تشير أيضاً إلى أن تينغ كانت قد عملت سابقاً مفوضة للأفلام الوثائقية في الجزيرة الإنجليزية، وهو ما يفسر حساسية علاقتها المهنية بقصص الميدان وخسائر الصحفيين هناك. وبعد أن شاهدت مقابلة تلفزيونية مع الجرّاح الأمريكي مارك بيرلماتر، بدأت فكرة الفيلم تتشكل، ثم تعرّفت من خلاله إلى الطبيبين الآخرين اللذين يشكلان أعمدة الحكاية.
من هم أبطال الفيلم الثلاثة؟
يركز الفيلم على ثلاثة أطباء أمريكيين من خلفيات دينية وثقافية مختلفة، لكنهم التقوا عند نقطة واحدة: تقديم الرعاية الطبية داخل مستشفيات غزة ثم نقل ما شاهدوه إلى الرأي العام وصناع القرار في الولايات المتحدة. الأسماء التي يدور حولها الفيلم هي:
- د. ثائر أحمد: طبيب طوارئ فلسطيني-أمريكي.
- د. مارك بيرلماتر: جرّاح عظام أمريكي يهودي.
- د. فيروز سِدهوا: جرّاح إصابات أمريكي من أصول زرادشتية.
هذه التركيبة ليست تفصيلاً عابراً في البناء الدرامي؛ فالفيلم يعتمد على اختلاف الشخصيات والخلفيات كمدخل لصناعة خطاب أوسع حول الطب، الشهادة، وحدود الصمت. كما يتتبع انتقال الأطباء من غرف العمليات في غزة إلى الفعاليات الإعلامية والسياسية في واشنطن، حيث يحاولون التأثير في النقاش العام الأمريكي.
صلة الفيلم بمقتل المصور سامر أبو دقة
الحدث الذي ارتبط عاطفياً بخلفية المشروع هو مقتل المصور الصحفي سامر أبو دقة في خان يونس يوم 15 ديسمبر 2023 أثناء عمله الميداني. تقارير موثقة من الجزيرة والاتحاد الدولي للصحفيين ذكرت أن أبو دقة، الذي كان يعمل مصوراً لقناة الجزيرة العربية، قُتل بعد استهداف خلال تغطية ميدانية في جنوب غزة. وقد صار اسمه واحداً من الرموز الأشد حضوراً في النقاش حول مخاطر العمل الصحفي داخل القطاع خلال الحرب.
ورغم أن American Doctor ليس فيلماً عن الصحافة بحد ذاتها، فإن السياق الذي ولّده يرتبط مباشرة بفكرة الشهادة البصرية: ماذا يحدث عندما يصبح الأطباء، لا الصحفيون فقط، شهوداً على ما يجري؟ هذا السؤال هو ما يمنح الفيلم ثقله خارج حدود الوثائقي الطبي التقليدي، ويقرّبه من الأفلام التي تراهن على التأثير الأخلاقي بقدر رهانها على العرض السينمائي.
رحلة الفيلم من صندانس إلى صالات العرض
بحسب بيانات مهرجان صندانس، عُرض الفيلم لأول مرة هناك في يناير 2026 ضمن U.S. Documentary Competition. كما تؤكد صفحات التوزيع الرسمية أن مدة الفيلم 93 دقيقة، وأنه إنتاج مشترك بين الولايات المتحدة ودولة فلسطين وماليزيا وقطر، مع مشاركة دنماركية في بعض المواد الترويجية والتوزيعية. لاحقاً، انتقل الفيلم إلى عروض أخرى، بينها فعالية في IFC Center بنيويورك يوم 21 يوليو 2026 بحضور المخرجة والأطباء الثلاثة، ثم بدأت عروضه التجارية المبكرة في نيويورك يوم 14 أغسطس 2026 وفق الموقع الرسمي للفيلم. كما تشير منصة Conic إلى طرح سينمائي لاحق في 20 نوفمبر داخل نطاق توزيعها.
على مستوى الجوائز، حصد الفيلم جائزة العفو الدولية وجائزة الجمهور في مهرجان تسالونيكي الدولي للأفلام الوثائقية، إضافة إلى تنويه خاص في جائزة HUMAN:RIGHTS ضمن CPH:DOX. وهذه المؤشرات تعكس أن الفيلم لم يحقق فقط صدى نقدياً، بل وجد أيضاً مساحة استقبال قوية لدى جمهور المهرجانات، وهي نقطة مهمة لأي فيلم وثائقي يسعى للعبور لاحقاً إلى جمهور أوسع.
لماذا يهم هذا الفيلم جمهور السينما في مصر؟
من زاوية شباك التذاكر، لا يُقاس أثر الأفلام الوثائقية دائماً بإيرادات ضخمة على النمط التجاري، بل بقدرتها على صنع حضور ثقافي وتوسيع دوائر المشاهدة. وهنا تبدو أهمية American Doctor بالنسبة للجمهور المصري والعربي واضحة: الفيلم ينقل قصة تمس المنطقة مباشرة، لكنه يفعل ذلك عبر بناء سينمائي موجه أيضاً إلى الجمهور الغربي، مستخدماً شخصيات أمريكية وشكلاً سردياً يسمح له بالدخول إلى مهرجانات كبرى وقاعات عرض مؤثرة.
هذا النوع من الأعمال يجد عادة حياة مزدوجة: أولاً في المهرجانات والعروض الخاصة، ثم عبر المنصات أو التوزيع المحدود الذي يعتمد على النقاش العام المحيط بالفيلم. لذلك، فإن متابعة American Doctor لا تخص فقط المهتمين بالقضية الفلسطينية، بل أيضاً جمهور السينما الذي يراقب كيف تتحول الأحداث الجارية إلى أعمال تنافس على الجوائز وتفرض نفسها على خريطة الأفلام الوثائقية لعام 2026.
بين الرسالة السياسية والقيمة السينمائية
التحدي الأكبر أمام أي فيلم من هذا النوع هو ألا يتحول إلى بيان مباشر على حساب اللغة السينمائية. حتى الآن، المواد الرسمية والانطباعات الأولى من صندانس تشير إلى أن بوه سي تينغ اختارت الاقتراب من الشخصيات لا من الشعارات، وبنت فيلمها حول أطباء يعملون تحت ضغط يومي هائل، ثم يعودون إلى بلدهم وهم يحملون عبء ما رأوه. هذه المعادلة تمنح الفيلم فرصة للعبور خارج دائرة التلقي السياسي الخالص، وتجعله أقرب إلى أعمال المهرجانات التي يمكن أن تعيش طويلاً بعد انتهاء موسم الجوائز.
في النهاية، تكمن قوة American Doctor في أن حكاية إنتاجه لا تقل حدة عن موضوعه نفسه: مخرجة تترك منصباً تنفيذياً مريحاً، تموّل مشروعها من مدخراتها، وتختار أن تدخل إلى أكثر المناطق حساسية في السينما المعاصرة بفيلمها الروائي الوثائقي الطويل الأول. بالنسبة لمتابعي شباك التذاكر، هذه ليست فقط قصة فيلم عن غزة، بل أيضاً قصة عن كيف تصنع القناعة الشخصية فيلماً قادراً على فرض اسمه في موسم سينمائي مزدحم.